ميسر السردية تكتب : الأرض يا نبيلة
نبأ الأردن -
كل هذا المشهد الذي يملأ الوقت، "أرض نبيلة وسكة الحديد"، يضعني أمام أصل المفردة، والشهود والمشهد، حيث تكتمل الشروط من وراء الشاشة الزرقاء، أرى وأسمع وأهز رأسي، ما بين انتباهتي نحو خارطة نبيلة وبين خصمها الذي تعطّر وتهندز وجاء لمنازلتها. والمفارقة أن هذا الخصم الذي يبدو أمام قبضة يدها المُعرّقة هزيلا وخفيفاً كقشة يعافها النمل، كان من المفترض به أساساً أن يكون معها لا ضدها، وهنا أبتعد وأقترب في آنٍ، فأتمنى القدرة على اختراق الشاشة لأصطف مع نبيلة، وفي ذات الحين — وقد لا أمتلك سعة صدرها — فأسحب خصمها من ربطة عنقه حيث يستحق أن يكون. فترتفع ضحكات "الشهود" على نزالنا من بيوتهم البعيدة وهمومهم العديدة، والبكاء وارد أيضاً، أليست هكذا هي الحياة عندما "تتكابش" فيها المتناقضات؟! يخطر لي تشارلي شابلن في قوله: "الحياة هي عبارة عن مأساة عن قرب، وكوميديا في اللقطة البعيدة".
طيلة هذه الأيام كنت فيها أنتظر ظهور نبيلة في التلفزيون، بل وشُرفت بأن صرت من متابعيها على فيسبوك، لم تذكرني بمفكرين ومنظرين ترسَّوا عين الشمس بآرائهم والدفاع عن وجهات نظرهم، إنما قصتان تدقَّان خاطري كما تدق قدمها الطريق من الأغوار إلى حيث تدبُّ الصوب.. إن كان هناك من يولِي الصوت أهمية تُذكر.
القصة الأولى خاصة، سمعتها في قريتي، حدثت في عقود بعيدة، مفادها نزاعٌ وقع بين رجالنا ورجال قبيلة أخرى حول أرض واجهة عشائرية، وصل إلى أبعد مدى، حتى تدخلت الدولة لفض النزاع، وفي ذات يوم اجتمع المتنازعون مع "مسؤول" طويل عريض" جدا، ليعِدّ كل طرف حجته، وتقدم جدي للمحاججة وهو رجل خصب الكلام شديد المُلاحاة، وحسب السياق الذي وصلنا، أظنه خشِيَ ميل المسؤول أو فتوره، فهز يده قائلا: "أسمع، أنت إذا حفرت هذه الأرض، تلقى تحت هذا التراب سيوفنا وسروج خيلنا". وما قيل يومها أكثر وأوجع من ذلك.
القصة الثانية أيقونة سينمائية ما زالت صالحة للعرض والحزن والإحساس بالظلم والجور حتى الآن. جسَّدها فيلم "الأرض" الذي تدور أحداثه في إحدى القرى المصرية. تبدأ الأزمة عندما يُبلّغ العمدة الفلاحين بأن حصة ريِ أراضيهم قد جرى تخفيضها لتقاسمها مع محمود بك الإقطاعي. يثور الفلاحون دفاعاً عن قوتهم، ويتزعم الحركة الفلاح المناضل محمد أبو سويلم. تتصاعد الأحداث المأساوية عندما يقرر الإقطاعي إنشاء طريق يربط بين قصره والطريق الرئيسي، مما يتطلب نزع مساحات واسعة من أراضي الفلاحين الخصبة. يتحول الصراع من مجرد أزمة ري إلى معركة وجودية للدفاع عن الأرض والشرف والكرامة ضد تحالف الإقطاع والسلطة.
في مشهد النهاية، سُحل الفلاح "محمد أبو سويلم" على الأرض بواسطة خيول قوات الهجانة وهو مكبل بالحبال، بينما يحاول بأطراف أصابعه المدماة التمسك بالأرض والزرع، حتى تختلط دماؤه بالتراب.
لا أعتقد أن نبيلة الحشوش التي تشبه الأرض بقدر ما هي الأرض كلها، ستجرُها قوة أمنية فوق الأشواك كما حدث للفلاح "أبو سويلم"، ولكني أجزم أنه لو اقتضى الأمر منها ذلك، لرَمت بنفسها فوق التراب ناشبة أظافرها في أحشائه، رافضة التفريط بحفنة منه، مهما غلا المزاد وزُيّنت سكة الحديد، ومما لا شك فيه، ستقول: "لأبو برنيطة وأبو ربطة وأبو مشروع ومصلحة.. قبل أن تكونوا، كنت أنا سيدة هذه الأرض.. من جسدي كان سمادها ومن صبري كان ماؤها."
قاتلي يا نبيلة، أما أنا فمن القاعدين هاهنا ... "عايفين التربن".

























