اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

عبدالله بني عيسى يكتب : نبيلة الحشوش.. لا تخذلينا

عبدالله بني عيسى يكتب : نبيلة الحشوش.. لا تخذلينا
نبأ الأردن -
أنت، حتى الآن على الأقل، نموذج ناصع للفئة التي نريد أن نراها أكثر في مجتمعنا: ابنة المكان التي تعرف ناسه وهمومهم، وتمثل مصالحهم، وترفع صوتهم، وتقارع الحكومة والمؤسسات الرسمية والشركات من أجل حقوقهم، لا من أجل «الترند» ولا بحثاً عن بطولة عابرة على منصات التواصل.

ومما رأيته لك من مقابلات وتصريحات، تبدين صادقة في تمثيل المواطنين من أصحاب القضية المثارة، وقريبة من هموم الناس الحقيقية، لا من الشعارات التي تُقال أمام الكاميرات لحصد اللايكات.

لكن خبرتنا الطويلة مع العمل العام والحراكات المطلبية في الأردن تجعل التشجيع مصحوباً بتحذير ضروري.

احذري يا نبيلة الذين يصطادون في المياه العكرة.. احذري أولئك الذين يتسللون إلى كل تحرك محلي بريء، يبدأ بمطلب يتعلق بالأرض أو العمل أو الماء أو الطريق أو المدرسة أو المستشفى، ثم يحاولون تحميله أجنداتهم الأيديولوجية والسياسية، وتحويل أهله من أصحاب حق إلى جنود في معارك لا تخصهم.

هؤلاء أفسدوا علينا كثيراً من الحراكات المطلبية النبيلة يا نبيلة، لأنهم لا يحتملون أن يبقى المطلب في حجمه الطبيعي ولأنهم لا يتحركون بنوايا المحبين بالضرورة. يريدون لكل احتجاج على قرار أن يصبح احتجاجاً على البلاد كلها، ولكل مظلمة محلية أن تتحول إلى بيان سياسي حارق متفجر، ولكل صاحب قضية أن يصبح زعيماً شعبوياً يتحدث في السياسة والاقتصاد والحرب والسلام، من عمّان إلى لبنان وسوريا والعراق وإيران وفلسطين وصولاً إلى تيمور ونيكاراغوا والروهينغا!

نحن معك يا نبيلة وأنت تخوضين معركتك دفاعاً عن مصالح الناس الذين تعرفينهم ويعرفونك.

نحن معك وأنت تطالبين بحقوق أبناء منطقتك، وتجادلين الحكومة، وتعترضين على قراراتها، وتطالبينها بالتراجع حين ترين أنها أخطأت، وترفعين صوتك حين تشعرين بأن مصالح الناس لم تُحسب في جداول دراسات الجدوى.

لكن أبقي البوصلة من البلاد وإليها.. لا تسمحي لأحد بأن يقنعك بأن شعبيتك تمنحك تفويضاً للانتقال من قضية الناس التي صنعت حضورك إلى قضايا أخرى لا علاقة لها بهم، أو بأن معارضة قرار حكومي تستوجب معارضة كل شيء، أو بأن الدفاع عن حقوق المواطنين يكتمل فقط عندما يتحول صاحبه إلى معارض دائم للدولة ومؤسساتها -قلم قايم-.

لقد خُذلنا في الأردن من أشخاص بدأوا من حيث بدأتِ أنت: من هموم الناس وحقوقهم ومطالبهم المشروعة. حصدوا احتراماً وشعبية لأنهم كانوا قريبين من الشارع، ثم أغرتهم «الشعبوية»، فصاروا يبحثون عن التصفيق في كل قضية، وينساقون وراء الموجة الساخطة التي لا ترى في البلاد إلا الخراب، ولا في مؤسساتها إلا الشر، ولا في أي إنجاز إلا مؤامرة.

ولهذا أصبح بعضنا يتردد قبل مساندة أي حراك مطلبي، لا لأنه ضد الناس أو حقوقهم، بل لأنه تعلم بالتجربة أن بعض الحراكات تبدأ بمطلب مشروع، ثم يخطفها آخرون إلى مكان لم يذهب أصحاب القضية إليه أصلاً.

أما أنا، فموقفي منك لا يتعلق حتى بموقفي من قضية الاستملاك نفسها. هذه مسألة تحتاج إلى معرفة قانونية وفنية وتفاصيل لا أملكها، ولذلك لا أدّعي أنني أستطيع الحكم فيها.

ما أدافع عنه هنا أوسع من الاستملاك ومن نبيلة الحشوش نفسها؛ أدافع عن حق الأردنيين في أن يكونوا مجتمعاً حياً، يعرف مصالحه ويدافع عنها.

أدافع خصوصاً عن حق الناس في الأطراف والقرى والبوادي والمناطق البعيدة عن مراكز القرار في أن يقولوا بأنفسهم ماذا يريدون، وأن يمثلوا مصالحهم كما يرونها هم، لا كما تُرسم لهم في قاعات الاجتماعات الفخمة.

ولهذا نحن معك يا نبيلة ما دامت قضيتك هي الناس وحقوقهم وكرامتهم ومصالح منطقتهم، وما دام خلافك مع الحكومة خلافاً على قرار أو حق أو مصلحة، لا خصومة مع الدولة والوطن.

أما إذا جاء أصحاب الأجندات وحملوك على أكتاف شعبيتك إلى معاركهم هم، فسنفترق عند تلك النقطة.
نبيله الحشوش
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions