د علي الطراونة يكتب: ثلاثة نواب… وتعديل بلا إجابات!
نبأ الأردن -
كان المواطن ينتظر التعديل الوزاري كما ينتظر المريض وصفة الطبيب؛ على أمل أن يكون العلاج مختلفًا، وأن تأتي المرحلة الجديدة بما يعالج الخلل ويوقف نزيف التقصير.
فالتغيير عندما يأتي في وقته الصحيح ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة تفرضها المصلحة العامة. وعندما يفشل مسؤول في تحقيق المطلوب منه، فإن أبسط قواعد الإدارة تقول إن موقع المسؤولية يجب أن يكون للأكثر كفاءة وقدرة على الإنجاز.
ولهذا، عندما بدأ الحديث عن تعديل وزاري مرتقب، استبشر كثيرون خيرًا.
ظن الناس أن ساعة التقييم قد حانت، وأن من قصّر في أداء واجبه سيغادر، وأن الملفات المتعثرة ستجد من يحملها بجدية، وأن الحكومة ستبعث برسالة واضحة مفادها أن المسؤولية ليست حصانة من المحاسبة، والمنصب ليس مكافأة دائمة.
لكن المفاجأة جاءت من مكان آخر!
فبدلًا من أن يكون السؤال: من سيغادر بسبب التقصير؟
أصبح السؤال: لماذا أصبح لرئيس الوزراء ثلاثة نواب؟
وهنا لا بد من التوقف.
ليس اعتراضًا على الأشخاص، ولا حكمًا مسبقًا على أحد، وإنما لأن المواطن من حقه أن يسأل عن جدوى أي قرار يمس بنية السلطة التنفيذية وأعباءها وتكاليفها.
ما الحاجة الفعلية إلى ثلاثة نواب لرئيس الوزراء؟
هل توسعت مسؤوليات الدولة إلى درجة بات معها وجود ثلاثة نواب ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها؟
هل هناك ملفات وطنية ضخمة تستدعي هذا العدد؟
هل هناك مهام محددة وواضحة لكل نائب، وسيحاسب كل واحد منهم على نتائجها؟
أم أن الأمر مجرد إعادة توزيع للمناصب تحت عنوان التعديل؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا، ولا تشكيكًا، ولا خروجًا على حق الحكومة في اختيار فريقها.
إنها ببساطة أسئلة مواطن يريد أن يفهم.
فإذا كان تعيين نائبين جديدين لرئيس الوزراء ضرورة وطنية وإدارية، فمن حق الناس أن يعرفوا ما هذه الضرورة.
وإذا كان التعيين نتيجة لإنجازات كبيرة واستثنائية، فمن حق المواطن أيضًا أن يعرف ما هي تلك الإنجازات.
أما أن تأتي التعديلات دون تفسير واضح، فيبقى الباب مفتوحًا أمام التأويلات، وتبدأ الأسئلة التي لا تجد إجابات.
والأخطر من ذلك أن يتحول مفهوم التعديل الوزاري من أداة للمراجعة والمحاسبة إلى مجرد إعادة تدوير للمواقع.
لقد تعودنا أن يكون التعديل الوزاري مناسبة لتقييم الأداء:
من أنجز يُكرّم، ومن أخفق يُستبدل، ومن قصّر يُحاسب.
لا أن يتحول التعديل إلى فرصة جديدة لمن لم يثبت نجاحه في موقعه السابق.
فكيف يمكن أن نقنع المواطن بأن هناك محاسبة إذا كان المقصر ينتقل من موقع إلى موقع أعلى؟
وكيف نطلب من موظف صغير أن يتحمل مسؤولية أخطائه، بينما يظل المسؤول الكبير في مأمن من نتائج إخفاقه؟
هذه ليست قضية أشخاص.
هذه قضية مبدأ.
ومبدأ المحاسبة يجب أن يكون واحدًا على الجميع.
أما الحديث الدائر عن وجود شبهات أو مخالفات في بعض الوزارات، فلا يجوز أن يتحول إلى أحكام أو اتهامات ما لم تثبت رسميًا، لكن تجاهل هذه الأحاديث أيضًا ليس حلًا.
فالشفافية هي الطريق الأقصر لإغلاق باب الشائعات.
إذا كانت هناك أخطاء فلتُكشف، وإذا كانت هناك إنجازات فلتُعلن، وإذا كانت هناك محاسبة فليَرَها الناس.
المواطن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من العناوين الكبيرة.
هو يريد أن يرى نتائج.
يريد خدمات أفضل.
يريد إدارة أكثر كفاءة.
يريد قرارات أسرع.
يريد مسؤولًا يشعر بأن كرسيه مرتبط بإنجازه، وليس محصنًا من المحاسبة.
يريد أن يعرف لماذا زادت المناصب، وماذا سيحصل عليه مقابل ذلك.
فالحكومة ليست بعدد الوزراء والنواب، وإنما بقدرتها على الإنجاز.
والدولة لا تُدار بكثرة المناصب، بل بحسن الإدارة.
والتغيير الحقيقي لا يعني أن نستبدل كرسيًا بكرسي، وإنما أن نستبدل الترهل بالكفاءة، والتقصير بالإنجاز، والانتظار بالفعل.
وفي النهاية، هناك سؤال واحد سيبقى مطروحًا أمام الحكومة:
هل كان هذا التعديل من أجل المواطن… أم أن المواطن سيكتشف لاحقًا أنه مجرد تعديل من أجل المناصب؟
نحن لا نريد إجابة بالكلمات.
نريد الإجابة بالأفعال.
فالمنصب العام تكليف، وليس مكافأة.
والسلطة مسؤولية، وليست امتيازًا.
والتعديل الوزاري الحقيقي ليس الذي يغيّر عدد المقاعد حول طاولة مجلس الوزراء…
بل الذي يغيّر حياة الناس خارج تلك الطاولة.
وهنا فقط، يستطيع المواطن أن يقول:
نعم… هذا هو التغيير الذي كنا ننتظره.
تحياتي
د علي الطراونة
























