اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د.منذر الحوارات يكتب: اتفاق مكة الثلاثي: تحالف لحماية المستقبل

د.منذر الحوارات يكتب: اتفاق مكة الثلاثي: تحالف لحماية المستقبل
نبأ الأردن -
وُلدت اتفاقية مكة بين السعودية وتركيا وباكستان في خضم لحظة إقليمية مضطربة، أثارت فيها الصواريخ والمسيّرات الإيرانية مخاوف تجاوزت أضرارها العسكرية إلى مستقبل الخليج، فقد استهدفت الهجمات صورة المنطقة بوصفها فضاءً مستقراً وجاذباً للاستثمارات، وأعادت طرح أسئلة حول قدرة الولايات المتحدة، التي تصدرت منظومة أمن الخليج منذ الانسحاب البريطاني، على حماية حلفائها ومنع انتقال الحرب إلى أراضيهم.
كما حاولت إيران فرض نفسها طرفاً لا يمكن تجاوزه، مستفيدة من موقعها وقدرتها على تهديد مضيق هرمز وتحريك حلفائها في العراق واليمن، ومن هنا، يمكن قراءة الاتفاقية باعتبارها محاولة سعودية لإضافة طبقة إلى منظومات الردع الوطنية والخليجية والعربية والأميركية، لا بوصفها تخلياً عن الشراكة مع واشنطن، بل هي تعبير عن رغبة الرياض في ألا يبقى أمنها معلقاً بمظلة واحدة، بعد اهتزاز الثقة بكفاية الحماية الأميركية.
ولم تجمع الاتفاقية دولاً متشابهة، بل أطرافاً تمتلك عناصر قوة متكاملة: السعودية بثقلها الاقتصادي وموقعها وقدراتها العسكرية، وتركيا بجيشها وصناعتها الدفاعية وخبرتها داخل حلف الناتو، وباكستان بثقلها البشري والعسكري وامتلاكها السلاح النووي، وقد يمنح هذا التنوع الاتفاق قوة إضافية، لكنه قد يشكل مصدر تباين، لأن الدول الثلاث لا تتطابق في تعريف التهديدات أو ترتيب الأولويات.
ويضيف وجود باكستان غموضاً نووياً ردعياً، من دون أن يُثبت مظلة نووية للسعودية وتركيا، أما النص على أن أي اعتداء على إحدى الدول يُعد اعتداءً على الدول الثلاثة، فيحمل رسالة ردع إلى إيران، وإن لم يسمّها، لكن غياب التفاصيل التنفيذية يُبقي أسئلة جوهرية: من يحدد وقوع العدوان؟ وهل يكون الرد العسكري تلقائياً؟ وهل تشمل الضمانة النزاعات القائمة مع الهند أو إسرائيل أو اليونان؟
ومن المرجح أن تحاول طهران تصوير الاتفاق على أنه تحالف سني موجّه ضدها، واستخدامه في التعبئة المذهبية، ولا سيما داخل باكستان التي تضم أقلية شيعية كبيرة، إلا أن قدرتها على تحويلها إلى أداة سياسية محدودة، فشيعة باكستان ليسوا كتلة تابعة لإيران، فالاتفاق وإن كان سنيا في تكوينه، وإيران أحد دوافعه، لكنه ليس مذهبياً في نصه، وتحويله إلى مواجهة سنية شيعية سيخدم الدعاية الإيرانية ويضر بأطرافه.
أما الولايات المتحدة، فقد ترحب بهدف الاتفاق في ردع إيران وتوزيع الأعباء، لكنها ستتحفظ إذا تحول إلى بديل عن دورها، أو نظام أمني يتعارض مع سياساتها، وبالنسبة إلى إسرائيل، قد يكون ردع إيران مفيداً، لكنها ستراقب بقلق اقتراب القدرات الباكستانية والصناعة الدفاعية التركية من السعودية، واحتمال تحول الاتفاق إلى قيد على حرية تحركها العسكري، ومع ذلك، لا يوجد موقف إسرائيلي رسمي يسمح بالجزم بطبيعة ردها.
ويبقى غياب مصر بحاجة إلى تفسير، فلا مؤشرات مؤكدة على خلاف مصري سعودي، والأرجح أنه يعكس تحفظاً إستراتيجياً على الدخول بالتزام عسكري مفتوح في نزاعات لا تتحكم القاهرة في بدايتها أو نهايتها، كما تحضر العلاقة مع اليونان، وترتيبات السلام مع إسرائيل، وذاكرة التدخل في اليمن، والخشية من الانجرار إلى مواجهة تركية يونانية أو باكستانية هندية، ومع ذلك، يمكن أن تبقى مصر شريكاً في أمن البحر الأحمر خارج الاتفاق.
أما الأردن، فهو خارج اتفاقية مكة، لكنه في قلب منطقها الجغرافي والأمني، فهو يمثل عمقاً شمالياً للسعودية، وحلقة وصل مع العراق وسورية والبحر المتوسط، واستقراره ضروري لأمن شمال المملكة ونيوم والممرات البرية، بالتالي قد يكون تطوير تعاون مواز مع الدول الثلاثة في مجالات الإنذار المبكر والدفاع الجوي ومكافحة المسيرات أكثر ملاءمة من العضوية الكاملة، التي قد تلزمه بنزاعات لا تتصل بـأولوياته.
لقد أثبتت الشهور الماضية من المواجهة الأميركية الإيرانية، أن آثار الصواريخ الإيرانية لم تقتصر على الأضرار المادية، بل امتدّت إلى الثقة باستقرار المنطقة، فقد ارتفعت تكاليف الاستثمار والتعامل الاقتصادي معها، من التأمين إلى التمويل إلى الضمانات الاستثمارية، وطال ذلك ثقة المستثمرين، التي ضعفت بشكل واضح، وقد يكون هذا هو أهم الأسباب وراء هذه الاتفاقية، فالسعودية تريد إظهار قدرتها على حماية الموانئ والمطارات ومصادر الطاقة والمياه، والمشاريع الكبرى، عبر طبقات متعددة من الردع، بدءاً من المستوى الوطني مروراً بالمستويات الخليجية والعربية والإقليمية والأميركية.
قد تسهم الاتفاقية في طمأنة الأسواق وحماية المستقبل إذا عززت الردع وخفضت احتمالات الحرب، لكنها قد تأتي بنتيجة معاكسة إذا تحولت إلى محور مغلق، أو دفعت إيران ودولاً أخرى إلى بناء تحالفات مضادة، لذلك لا يمكن الحكم عليها من مراسم توقيعها أو قوة عباراتها وحدها، فنجاحها يتوقف على وضوح التزاماتها، وتكاملها مع الأطر الخليجية والعربية، وقدرتها على ضبط التصعيد لا توسيعه.
ويبقى السؤال: هل تصبح اتفاقية مكة مظلة تحمي استقرار الخليج ومستقبله الاقتصادي، أم حلقة جديدة في سباق المحاور؟ الإجابة لن تقدمها البيانات، بل الممارسة، فالتحالف الناجح ليس الذي يثبت قدرته على خوض الحرب، بل الذي يجعل اندلاعها أقل احتمالاً.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions