الدكتور عطاالله الشرعة يكتب : المغترب الأردني… لماذا نأخذ أمواله ونترك خبراته؟
نبأ الأردن -
هناك ثروة أردنية هائلة موزعة في مختلف دول العالم ولا تحتاج إلى اكتشاف أو تنقيب أو استيراد لأنها خرجت من هذا البلد أصلًا ثم صنعت لنفسها مكانًا في أسواق العالم. إنها ثروة الأردنيين المغتربين الذين يعملون في الطب والهندسة والتكنولوجيا والإدارة والمال والطاقة والصناعة والتجارة والتعليم وغيرها من المجالات. ومع ذلك ما زالت علاقتنا بهذه الثروة تختصر في سؤال واحد: كم بلغت تحويلات المغتربين؟ وكأن الأردني الذي يعيش خارج وطنه لا قيمة له إلا بما يحوله إلى أسرته كل شهر. هذه نظرة قصيرة جدًا إلى واحدة من أهم الموارد التي يمتلكها الأردن. فالمغترب لا يرسل مالًا فقط بل يملك خبرة في أسواق أخرى ويعرف شركات ومؤسسات ومستثمرين ويمتلك علاقات مهنية ويعرف كيف تعمل الاقتصادات المتقدمة ويعيش يوميًا تفاصيل التكنولوجيا والإدارة الحديثة وربما يملك مشروعًا أو يدير مؤسسة أو يشغل موقعًا قياديًا. كل هذه القيمة يمكن أن تعود إلى الأردن دون أن يترك المغترب عمله في الخارج ودون أن يعود نهائيًا إلى الوطن.
المشكلة ليست في الأردني المغترب وإنما في الطريقة التي نتعامل بها معه. نحن نريد منه أن يحول أمواله وأن يبقى مرتبطًا بعائلته ووطنه لكننا لم نبنِ منظومة وطنية حقيقية تقول له: خبرتك أيضًا نريدها في الأردن. أين قاعدة البيانات الوطنية التي تعرف أين يوجد الأردنيون المتخصصون حول العالم وما خبراتهم وما القطاعات التي يعملون بها وما الأسواق التي يعرفونها؟ أين البرنامج الذي يربط الطبيب الأردني في الخارج بالمستشفيات والجامعات في الأردن؟ والمهندس بشركاتنا؟ وخبير التكنولوجيا بالشركات الناشئة؟ والمصرفي بالمشاريع الاستثمارية؟ ورجل الأعمال بالفرص الموجودة في المحافظات؟ ولماذا لا يكون للمغتربين دور منظم في تدريب الشباب الأردني ونقل المعرفة وفتح الأسواق الخارجية أمام المنتجات الأردنية؟ نحن أمام آلاف وربما أعداد أكبر من العقول الأردنية التي تعيش يوميًا داخل اقتصادات مختلفة وتتعلم من تجاربها بينما نبحث نحن داخل البلد عن حلول لمشكلات يمكن أن يكون بعض أبنائنا في الخارج قد واجهوا مثلها ووجدوا لها حلولًا.
والأمر لا يتوقف عند الخبرة والمعرفة فهناك رأس مال أردني في الخارج يمكن أن يتحول إلى استثمارات داخل الأردن إذا وجد البيئة المناسبة. كم من مغترب لديه مدخرات ويرغب في إقامة مشروع في بلده لكنه يتردد عندما يتذكر الإجراءات الطويلة وكثرة الجهات وتعقيد الموافقات وعدم وضوح الطريق؟ لماذا لا يكون للمستثمر الأردني المغترب مسار استثماري خاص وسريع ومضمون؟ لماذا لا نقدم له مشاريع جاهزة ومدروسة بدل أن نتركه يبحث وحده عن الأرض والرخصة والمعلومة والجهة المختصة؟ ولماذا لا نستفيد من علاقاته في الخارج لفتح أسواق جديدة أمام الصناعة والزراعة والخدمات الأردنية؟ إن أردنا محاربة البطالة فلا يكفي أن ننتظر المستثمر الأجنبي بينما لدينا أردنيون يعيشون في الخارج ويعرفون الأسواق العالمية ويملكون المال والخبرة والعلاقات. المطلوب ليس استنزافهم بطلب المزيد من الأموال وإنما إعطاؤهم فرصة حقيقية ليكونوا شركاء في بناء الاقتصاد.
الأردن بحاجة إلى تغيير مفهومه عن الاغتراب. المغترب الأردني ليس شخصًا غاب عن البلد بل شخص يمكن أن يكون امتدادًا اقتصاديًا للأردن في العالم. نحتاج إلى استراتيجية وطنية واضحة تربط المغتربين بالاقتصاد الأردني وتستفيد من خبراتهم واستثماراتهم وعلاقاتهم وأسواقهم وتفتح لهم المجال للمشاركة في مشاريع حقيقية داخل الوطن. نحتاج إلى شبكة للكفاءات الأردنية في الخارج وبرنامج لنقل المعرفة وحوافز للاستثمار ومسار سريع للمشاريع التي يقيمها المغتربون وشراكات بين الجامعات والقطاع الخاص والكفاءات الأردنية العالمية. والأهم أن يشعر الأردني في الخارج أن وطنه لا يتذكره فقط عندما يحتاج إلى تحويلاته بل يفتح له الباب عندما يريد أن يقدم علمه وخبرته وماله وعلاقاته.
المغترب الأردني ليس ماكينة تحويل أموال. هو ثروة وطنية متنقلة حول العالم. وإذا كانت الدولة تعرف كيف تستفيد من مواردها الطبيعية فلماذا لا تعرف كيف تستفيد من مواردها البشرية؟ نحن لا نحتاج إلى إعادة المغتربين جميعًا إلى الأردن حتى نستفيد منهم؛ نحتاج فقط إلى إعادة وصلهم بالأردن. فقد تكون أكبر فرصة اقتصادية نبحث عنها اليوم موجودة أصلًا في الخارج وتحمل جواز سفر أردنيًا.
























