مجد حسونة يكتب : الهوية الوطنية ليست وجهة نظر
نبأ الأردن -
في الوقت الذي تمر فيه المنطقة بواحدة من أكثر مراحلها حساسية، وبين حرب مفتوحة على الاحتمالات، وتصعيد في الضفة الغربية، وحديث متكرر عن التهجير ومشاريع قد تمس الأردن وأمنه بصورة مباشرة، يفترض أن يكون السؤال الأردني اليوم: كيف نحمي جبهتنا الداخلية؟ لا كيف نعيد فتح ملفات الأصل والمنبت ونستحضر هويات فرعية لا يحتاجها الوطن.
المشكلة لم تعد في كلمة عابرة هنا أو منشور هناك، بل في حالة بدأت تتسلل إلى الخطاب العام ووسائل التواصل الاجتماعي، يعاد من خلالها فرز الأردنيين وتصنيفهم، مرة على أساس الأصل، ومرة على أساس المنطقة، ومرة على أساس الوضع الاجتماعي والاقتصادي.
وهنا يجب أن نقولها دون مواربة: الأردن له هوية وطنية واحدة، وكل من يحمل الرقم الوطني الأردني هو أردني كامل المواطنة، له ما لغيره من حقوق وعليه ما على غيره من واجبات.
لا يوجد أردني يحتاج إلى شهادة في أردنيته من أردني آخر، ولا مواطن من الدرجة الأولى وآخر من الدرجة الثانية. الأصل والمنبت والجذور جزء من التاريخ الشخصي والعائلي للإنسان، لكنها ليست معيارا لقياس المواطنة والانتماء للدولة.
ومن حق الأردني أن يعتز بعشيرته أو مدينته أو جذوره، كما يحق له أن يشجع النادي الذي يريد، لكن عندما تتحول أي هوية فرعية إلى هوية تنافس الهوية الوطنية أو تتقدم عليها، فإن المسألة تتجاوز حدود الاعتزاز الطبيعي لتصبح قضية تستحق الوقوف عندها.
وهذا ينطبق على الرياضة أيضا.
الأندية الرياضية مؤسسات وطنية، وقيمتها الحقيقية ليست فقط في البطولات والكؤوس، بل في قدرتها على جمع الأردنيين حول منافسة رياضية نظيفة. ولذلك فإن مسؤولية الأندية وإداراتها وجماهيرها وكل الشخصيات المؤثرة في الوسط الرياضي هي منع الملاعب والمدرجات والمنصات المحيطة بها من التحول إلى ساحات للفرز الاجتماعي أو المناطقي أو على أساس الأصل والمنبت.
نريد أندية تحمل أسماءها وتاريخها، لا هويات موازية لهوية الدولة. ونريد جماهير تتنافس تسعين دقيقة، ثم تعود إلى حقيقة واحدة: الجميع أردنيون.
ولا يتوقف الخطر عند الهويات المرتبطة بالأصل والمنبت.
هناك شكل آخر من أشكال الفرز يتسلل إلينا تحت غطاء المزاح والكوميديا السوداء. أصبحنا نسمع ونشاهد يوميا محتوى يقسم المجتمع بطريقة ساخرة بين "جوردن” و”الأردن”؛ هذا من جوردن وذاك من الأردن، هذه مدارس جوردن وتلك مدارس الأردن، وهذه حياة فئة وتلك حياة فئة أخرى.
قد نضحك على المشهد، لكن علينا أن نسأل عن الرسالة التي تبقى بعد انتهاء الضحكة.
حين يتكرر هذا الخطاب، قد يشعر المواطن، وخصوصا الشاب، بأن المجتمع أصبح طبقات منفصلة، وأن قدرته المادية أو الحي الذي يسكنه أو المدرسة التي درس فيها تحدد موقعه وقيمته الاجتماعية.
الكوميديا التي تنتقد الطبقية شيء، والكوميديا التي تجعل المواطن يشعر بالدونية الطبقية شيء آخر.
ولا ينبغي أن نحارب الفرز على أساس الأصل ثم نصنع فرزا على أساس المال والمكان ونمط الحياة. كلاهما يضرب مفهوم المواطنة المتساوية، وإن اختلفت الأدوات.
ومن هنا يأتي السؤال الذي أوجهه إلى أصحاب القرار والمؤسسات المعنية: هل نقوم بما يكفي لحماية وحدتنا الوطنية في الفضاء الرقمي؟ وهل نمتلك خطابا وطنيا قادرا على مواجهة كل من يحاول إعادة إنتاج الانقسامات والهويات الفرعية قبل أن تتحول من محتوى على شاشة هاتف إلى ثقافة داخل المجتمع؟
المطلوب ليس تكميم الأفواه، ولا مصادرة حرية التعبير، ولا ملاحقة الناس بسبب اختلاف آرائهم. المطلوب أن تكون الحدود واضحة: حرية الرأي مصانة، أما التحريض والتمييز والطعن في مواطنة الآخرين أو تغذية الانقسام المجتمعي فلا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد وجهة نظر أخرى.
وقد كانت الدولة الأردنية واضحة تاريخيا في هذه المسألة. فقد وضع المغفور له الملك الحسين بن طلال الوحدة الوطنية في مكانة لا تسمح بالعبث بها، واستمر جلالة الملك عبدالله الثاني في النهج ذاته مؤكدا أن الوحدة الوطنية خط أحمر.
وإذا كانت الوحدة الوطنية خطا أحمر، فيجب أن يظهر ذلك في خطاب الدولة ومؤسساتها، وفي الإعلام والتعليم والرياضة والثقافة، وفي تعاملنا مع الفضاء الرقمي، لا أن تبقى الوحدة الوطنية شعارا نستحضره فقط عندما تقع الأزمة.
نحن أمام مرحلة تحتاج إلى أكبر قدر من التماسك الداخلي. والأخطار التي قد تواجه الأردن لن تسأل المواطن عن أصله، ولن تفرق بين من يسكن شرق عمان أو غربها، ولن تعرف الفرق بين من يسميه البعض ساخرا "جوردن” ومن يسمونه "الأردن”.
الخطر عندما يأتي، يأتي على الأردن كله.
ولهذا فإن حماية الهوية الوطنية ليست مسؤولية الحكومة وحدها، ولا الأجهزة الرسمية وحدها، بل مسؤولية كل مؤسسة وحزب وناد وإعلامي وصانع محتوى ومواطن.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الهويات داخل الهوية، ولا إلى أردني يثبت أردنيته لأردني آخر.
نحتاج إلى دولة مواطنة تقول للجميع بوضوح:
أنت أردني لأنك مواطن أردني. لك حقوق تحميها الدولة، وعليك واجبات تجاهها، ولا يملك أحد أن يمنحك أردنيتك أو ينتزعها منك وفقا لأصلك أو اسمك أو منطقتك أو طبقتك الاجتماعية.
في هذه المرحلة تحديدا، رص الصفوف ليس شعارا عاطفيا، بل ضرورة من ضرورات الأمن الوطني.
الأردن ليس "جوردن” و”الأردن”، وليس مجموعة هويات تتعايش مؤقتا تحت علم واحد. الأردن وطن واحد، بهوية وطنية واحدة، ومواطنة واحدة، ومصير واحد.

























