اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

محمد الخطيب يكتب : الناطق باسم الحكومة... موقع لا يحتمل التجربة وليس مجرد ناقل للتصريحات

محمد الخطيب يكتب : الناطق باسم الحكومة... موقع لا يحتمل التجربة  وليس مجرد ناقل للتصريحات
نبأ الأردن -
منصب وزير دولة لشؤون الاتصال، أو الناطق الرسمي باسم الحكومة، ليس منصبا هامشيا ولا مهمة بروتوكولية، بل واحد من أكثر المواقع حساسية في أي حكومة؛ لأن صاحبه يقف يوميا بين الدولة والرأي العام، وبين القرار وتفسيره، وبين المعلومة والإشاعة.
ولهذا، فإن اختيار من يشغل هذا الموقع يجب ألا يخضع للمجاملة أو المحاصصة أو البحث عن مجرد وجه إعلامي، بل للكفاءة والخبرة والقدرة على فهم الدولة ومؤسساتها وطبيعة الملفات التي يتعامل معها.
فالناطق الحكومي لا يكفي أن يكون متحدثًا جيدًا أمام الكاميرا، ولا أن يمتلك لغة سليمة وحضورا إعلاميا، بل يحتاج إلى شخصية سياسية وإعلامية تمتلك سرعة البديهة، وسعة الاطلاع، والهدوء تحت الضغط، وفهم مزاج الشارع، ومعرفة دقيقة بقرارات الحكومة وخلفياتها وتداعياتها، والقدرة على إدارة الأزمات.
وهو يحتاج إلى كاريزما وحضور وثقة بالنفس وسرعة بديهة وقدرة على الإقناع وإدارة الحوار تحت الضغط، وأن يمتلك لغة الجسد المناسبة والقدرة على مواجهة السؤال الصعب دون ارتباك أو استفزاز أو مراوغة.
وليس شرطا أن يكون كل إعلامي أو إذاعي أو مقدم برامج أو صحفي أو كاتب مقال ناجحا كناطق رسمي؛ فلكل مهنة أدواتها. قد تكون إعلاميا متميزا، أو مقدما بارعا، أو صحفيا محترفا، لكن النجاح كناطق باسم الحكومة يحتاج إلى مزيج مختلف من المهارات: فهم سياسي، وحسّ أمني، وثقافة قانونية، ووعي بمؤسسات الدولة، وقدرة على تقدير الموقف والتنسيق والتشاور، إلى جانب الخبرة الإعلامية والحضور الشخصي.
فالناطق الرسمي لا يقدم برنامجا ولا يكتب مقالًا يعبر فيه عن رأيه الشخصي؛ إنه يتحدث باسم حكومة، وأحيانا في قضايا تمس موقف الدولة بأكملها، ولذلك فإن كل كلمة يقولها محسوبة عليه وعلى الجهة التي يمثلها.
والأهم من ذلك كله، أن يكون الناطق الرسمي مقتنعا بالحكومة التي يمثلها، وبفريقها ونهجها وسياساتها وقراراتها، وقادرا على الدفاع عنها عن معرفة وقناعة، لا لمجرد أن وظيفته تفرض عليه ذلك.
فالناس تميّز بين من يتحدث بقناعة، ومن يقرأ كلاما أُعدّ له، وبين من يفهم القرار ويؤمن بمنطقه، ومن يحاول فقط تبريره أمام الكاميرا.
وهذا لا يعني أن يكون الناطق موافقًا على كل شيء دون نقاش؛ بل على العكس، يجب أن يكون حاضرا في النقاش الداخلي، وأن يسأل ويعترض وينقل نبض الشارع وملاحظات الإعلام، وأن يناقش الوزراء والمسؤولين قبل صدور المواقف، لكن عندما يقف أمام الناس، يجب أن يكون قادرا على تمثيل الحكومة والدفاع عن موقفها بثقة وقناعة ومصداقية.
فالناطق الذي لا يثق بفريقه، أو لا يملك المعلومات الكافية عن قرارات وزرائه، أو لا يستطيع الوصول إليهم والاستيضاح منهم، سيجد نفسه عاجلا أم آجلا أمام سؤال لا يستطيع الإجابة عنه، أو يدافع عن قرار لا يعرف خلفياته.
وهو بحكم موقعه لا يتعامل مع ملفات وزارية خدمية فقط، بل قد يجد نفسه أمام أسئلة تمس الأمن الوطني، والسياسة الخارجية، والقضايا العسكرية والأمنية، والأزمات والأحداث الطارئة. وهنا لا تكون سرعة التصريح فضيلة دائما؛ فبعض الملفات تحتاج قبل الحديث عنها إلى تشاور وتنسيق مع المؤسسات المعنية في الدولة، المدنية والأمنية والسيادية، حتى تكون الرسالة الرسمية واحدة، دقيقة ومحسوبة، ولا يسبق التصريح المعلومة أو يربك مؤسسة أخرى.
فالناطق الناجح ليس من يجيب عن كل سؤال فورا، وإنما من يعرف حدود المعلومة التي يملكها، وما الذي يستطيع قوله، وما الذي يحتاج إلى التثبت والتنسيق بشأنه قبل أن يقوله.
كما يجب أن يكون قريبا من مركز القرار، مطلعا على التفاصيل، ويتمتع بثقة رئيس الحكومة والوزراء ومؤسسات الدولة ذات العلاقة؛ لأن من يمثل الرواية الرسمية للدولة لا يجوز أن تكون معلوماته أقل من حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه.
والمطلوب منه كذلك ألا يكون مجرد مكبر صوت للحكومة، بل حلقة اتصال باتجاهين: يشرح للناس قرارات الحكومة بوضوح وصدق، وفي الوقت نفسه ينقل للحكومة أسئلة الناس ومخاوفهم وردود أفعالهم.
إنه موقع يحتاج إلى خبرة، وذكاء سياسي وإعلامي، وصدقية، وحضور، وشبكة تواصل واسعة داخل مؤسسات الدولة، وقدرة على معرفة متى يتحدث، ومتى يتشاور، ومتى ينتظر اكتمال المعلومة.
فكلمة غير محسوبة قد تفتح أزمة سياسية أو إعلامية، بينما كلمة مدروسة، منسقة وفي توقيتها الصحيح، قد تغلق باب الإشاعة وتحصّن الرواية الرسمية للدولة.
لهذا، فإن موقع الناطق باسم الحكومة ليس مكانا للمجاملة أو التجربة أو إرضاء هذا الطرف أو ذاك... إنه موقع دولة، ومن يشغله يجب أن يكون بحجم الدولة ورسالتها ومسؤوليتها.
لا تتوقع من الناطق الرسمي باسم الحكومة أن يخرج ببيان أو تصريح فور وقوع كل حدث؛ فهذا ليس واقعيا ولا مهنيا، خصوصا في القضايا الحساسة. فقبل أن تتحدث الحكومة، لا بد من تقدير الموقف، وجمع المعلومات والتحقق منها، والتنسيق والتشاور مع الجهات المعنية، ومعرفة أبعاد الحدث وتداعياته، حتى لا تتحول الاستجابة السريعة إلى معلومة ناقصة أو موقف متسرع.
وليس عيبا أن تتأخر الإجابة قليلا من أجل أن تكون دقيقة، فالسرعة ليست دائما معيارا للمهنية. العيب أن تأتي الإجابة بعد الانتظار ناقصة أو مراوغة، أو تفتقر إلى الصدق والشفافية والمصداقية.
فالناس قد تتفهم أن المعلومة تحتاج إلى وقت للتحقق منها، لكنها لن تتفهم أن تنتظر طويلا ثم تحصل على إجابة لا تجيب عن أسئلتها.
في الاتصال الحكومي، الدقة قبل السرعة، والمصداقية قبل السبق، والشفافية هي التي تصنع الثقة.
باختصار: الناطق باسم الحكومة ليس من يملك القدرة على الكلام فقط، بل من يعرف ماذا يقول، ولماذا يقول، ومتى يقول، ولمن يقول.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions