اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. محمد الجبور يكتب: اتفاقية مكة والدفاع المشترك: هل بدأ تشكل القطب الإسلامي في النظام الدولي الجديد؟

د. محمد الجبور يكتب: اتفاقية مكة والدفاع المشترك: هل بدأ تشكل القطب الإسلامي في النظام الدولي الجديد؟
نبأ الأردن -
لم يعد العالم يعيش لحظة انتقال سياسي عابرة، بل يشهد تحولاً بنيوياً في النظام الدولي. فمرحلة الهيمنة الغربية التي أعقبت نهاية الحرب الباردة لم تعد مطلقة كما كانت، والقوى الإقليمية أصبحت أكثر ميلاً إلى بناء منظوماتها الأمنية والاقتصادية بعيداً عن الاعتماد الكامل على المظلات الخارجية. وفي هذا السياق، تكتسب اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان أهمية تتجاوز بعدها العسكري، لأنها قد تعكس بداية إعادة تموضع جيوسياسي للعالم الإسلامي.
إن قراءة الاتفاقية بمعزل عن المتغيرات الدولية ستكون قراءة ناقصة. فالعالم يتجه نحو تعددية قطبية تتنافس فيها الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند على النفوذ، بينما أصبحت مناطق مثل الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والبحر الأحمر والمحيط الهندي ساحات رئيسية لهذا التنافس. ومن الطبيعي أن تسعى الدول المحورية في هذه المناطق إلى الانتقال من موقع "موضوع للصراع" إلى موقع "فاعل في صناعة التوازن".
السعودية لم تعد تنظر إلى أمنها من زاوية عسكرية فقط، بل من منظور يرتبط برؤية اقتصادية شاملة، وحماية سلاسل الطاقة، وتأمين الممرات البحرية، وتعزيز مكانتها كمركز مالي واستثماري عالمي. أما تركيا، فقد عملت خلال العقدين الماضيين على بناء قاعدة صناعية دفاعية متقدمة تمنحها استقلالية أكبر في قرارها العسكري. في المقابل، تمثل باكستان ثقلاً استراتيجياً مزدوجاً، فهي قوة نووية، وتحتل موقعاً جغرافياً يربط جنوب آسيا بالشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
إذا تحولت هذه الاتفاقية إلى مشروع مؤسسي دائم، فإنها قد تؤسس لنواة قوة إسلامية تمتلك عناصر الاقتصاد والطاقة والسكان والقدرات العسكرية. والسؤال هنا ليس ما إذا كانت هذه القوة ستدخل في مواجهة مع الغرب، بل كيف سيعيد الغرب حساباته إذا أصبح جزء مهم من العالم الإسلامي يمتلك منظومة ردع وتنسيق مستقلة نسبياً.
الأهم من ذلك أن الاتفاقية قد تكون بداية انتقال في مفهوم الأمن القومي الإسلامي، من مفهوم يعتمد على التحالف مع القوى الكبرى إلى مفهوم يقوم على بناء القوة الذاتية. وهذا التحول، إن نجح، ستكون آثاره أبعد من الجانب العسكري؛ إذ قد يمتد إلى الصناعات الدفاعية، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا، والتجارة، وحتى إلى تنسيق المواقف السياسية في القضايا الدولية.
لكن التاريخ يعلمنا أن التحالفات لا تنجح بالشعارات، بل بالمؤسسات والمصالح المشتركة. فالتحدي الحقيقي يكمن في قدرة الأطراف على إدارة تبايناتها السياسية، وتحويل الاتفاق إلى آليات تنفيذية، وربما فتح الباب أمام انضمام قوى إسلامية أخرى، بما يحول الاتفاقية من إطار ثلاثي إلى منظومة إقليمية واسعة.
ومن منظور جيوسياسي، فإن أي تكتل يضم دولة ذات ثقل اقتصادي عالمي، ودولة تمتلك قاعدة صناعية عسكرية متقدمة، ودولة نووية، سيصبح لاعباً لا يمكن تجاهله في معادلات الأمن الدولي. وليس من المستبعد أن يدفع ذلك القوى الكبرى إلى إعادة صياغة سياساتها تجاه الشرق الأوسط، سواء عبر تعزيز الشراكات أو عبر محاولة احتواء أي تحول قد يغيّر موازين النفوذ التقليدية.
ويبقى السؤال الأكثر أهمية: هل نحن أمام اتفاقية دفاعية عابرة فرضتها ظروف المرحلة، أم أمام اللبنة الأولى في مشروع استراتيجي طويل الأمد يعيد تعريف موقع العالم الإسلامي في النظام الدولي؟
إن الإجابة لن تحددها النصوص الموقعة، بل ستحددها الإرادة السياسية، والاستثمار في القوة الشاملة، والقدرة على تحويل التقارب السياسي إلى مشروع حضاري واستراتيجي متكامل. فإذا تحقق ذلك، فقد يكتب المؤرخون أن اتفاقية مكة لم تكن مجرد اتفاق دفاعي، بل كانت بداية انتقال العالم الإسلامي من موقع المتأثر بالتحولات الدولية إلى موقع المشارك في صناعتها
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions