أحمد أبو خليل يكتب : النمو المتوحش ..في الحالة الأردنية يتوجب الكثير من الانتباه
نبأ الأردن -
زرت القاهرة مرة واحدة. أمضيت فيها ستة أيام قسمتها بين زيارة بعض المعالم وبعض و"العوالم".
زرت بعض مجتمعات الفقر والكدح، بما فيها سكان وأسواق المقابر ومواقع البسطات والبالة، وطلبت من سائق تكتك أن يتجول بي في بعض الأزقة.
أذهلني تجاور فجور الثراء وفجور الفقر. وأخافني هجوم التحديث و"النمو" غير المكترث بالناس.
ركبت مع سائق تاكسي وسألته على سبيل الاستفزاز وبما أمكنني من اللهجة المصرية:" بتشتكو ليه وانتو شايفين مظاهر النمو والازدهار والمشاريع الكبيرة...؟
قال لي فورا: "والله يا أستاز، مسألة إنه اِنتَ تنمو وأنا أتفرج عليك.. دَه ما يصحش".
هي هكذا بالضبط في كل مكان. أقلية تنمو وتزدهر وأغلبية تتفرج على النمو والازدهار.
وإذا كانت بعض المجتمعات مثل المجتمع المصري عرف عبر تاريخه التمايزات الطبقية الحادة، وبالتالي فهو قد يتمكن من استيعاب التمايزات الحديثة أو على الأٌقل تمرير جزء منها لزمن طويل نسبيا، فإن الحالة إذا وصلت إلى بلدنا الأردن، فإن الصدمة ستكون كبيرة جدا.
إلى خمسين سنة مضت كان المثقفون والكتاب والناس عموما، في الأردن يسألون، إن كان في الأردن طبقية؟ وقد قرأت ذلك فعلا في عنوان غطى رأس صفحة كاملة لإحدى الصحف، وفي التفاصيل يجيب الكاتب بالنفي مع بعض الملاحظات.
لكن العقود الأخيرة، وخاصة العقدين الأخيرين، حملا إلى المجتمع الأردني مظاهر ثراء فاحش نتج عن نمو فاحش، وقد امتد فحشة إلى مساحات كبيرة في المجتمع.
في الجولات البحثية (أو التي تشبه البحث) التي أقوم بها منذ نحو ثلاثة عقود، تتكرر في مواقع كثيرة مفردة "المتنفذين"، وهم ليسوا بالضرورة من الوسط الرسمي، لكنهم يتبادلون الإسناد مع الطرف الرسمي، كل منهم يخدم الآخر بصورة أو بأخرى.
في مناطق مثل الأغوار، من شمالها إلى جنوبها، تأخذ كلمة"متنفذ" معاني متشعبة ولها وقع أو موسيقى مختلفة مخيفة.
من فضلكم، هناك مظاهر جديدة لانعدام العدالة والتمايز، وأشكال جديدة من القسوة.
في الأردن بالذات، ونظرا للمواصفات العميقة الخاصة للأردنيين، يتعين الكثير من الانتباه.
نزعة المساواة ورفض التمايزات، نزعة متأصلة في الثقافة العميقة للأردنيين. ولن تجدوا من يكتفي بالفرجة على النمو. فلا تلزوا الناس إلى الحائط.


























