م.صلاح طه عبيدات يكتب: أضغاث فارسية على أنقاض الوطن العربي: حين يتحول «المجد» إلى خرائب
نبأ الأردن -
لم تكن "الإمبراطورية" يوماً مشروعاً يُبنى على أنقاض الآخرين، لكنّ طهران أصرّت على تشييد أحلامها الفارسية بدموع العرب ودمائهم. هنا، في الشرق الأوسط الذي أنهكته الصراعات، يقف المتابع أمام انفصامٍ هيكلي فجّ في بنية الحكم الإيراني: ثنائية "الجيش النظامي" المحكوم بحدود الدولة والتزاماتها، و"الحرس الثوري" الذي أُنشئ ليتحول إلى ذراعٍ عقائدية عابرة للحدود، تزرع المليشيات كالألغام في خاصرة الأمة العربية، وتستبدل السيادة الوطنية بأجندات التوسع والتبعية.
إن هذا النظام، الذي يدثر تطلعاته السياسية بعباءة أيديولوجية دينية، لم يقدم للمنطقة سوى وهمٍ كبير ومشاريع خراب ممتدة. شواهد التاريخ القريب تفضح هذا الادعاء الفاخر: حزب الله في لبنان ينتهي مكسوراً بعد أن أحال "درة الشرق" إلى هيكلٍ عظمي يدور في فلك الأزمات المتواصلة، وقاسم سليماني الذي طاف العواصم العربية ينسج أوهاماً إمبراطورية قديمة، التهمته حقيقة الواقع في لحظة خاطفة على أرض سوريا، ليبقى مشروعه حبراً على ورق التاريخ الملطخ بالدماء.
واليوم، حين تتطاير الرسائل السياسية الصارمة والمشحونة بالتحذير عبر الحدود من عمان إلى بغداد، فهي لا تعبر عن مجرد خلافات دبلوماسية عابرة، بل عن قراءة أردنية واعية وموقف سيادي صلب: لن تكون أرض الأردن، التاريخ والجغرافيا والإنسان، مسرحاً لأوهام تمكين مجدٍ فارسي مندثر، ولن يُسمح للوكلاء والمليشيات بأن يجعلوا من حدود هذا البلد ساحة لتصفية الحسابات أو مرقداً لمخططاتهم التوسعية.
المفارقة الأكبر والأكثر إيلاماً تكمن في بوصلة هذه المليشيات وهذا الحرس؛ إذ طالما امتلأت الفضائيات بالخطابات الرنانة حول "المقاومة" و"التحرير"، بينما تتساقط صواريخهم وتوجّه مسيّراتهم نحو العواصم والمجتمعات العربية بدلاً من توجيهها إلى مركز الصراع الحقيقي. لو كان الحرس الثوري صادقاً في ادعاءاته الأخلاقية، لكانت تلك الترسانات المكدسة متجهة نحو تل أبيب ومستوطناتها، لا إلى ترهيب الجوار العربي وتفكيك الدول الوطنية. لكن الحقيقة الساطعة هي أن الصواريخ التي تُستخدم لأغراض الهيمنة الإقليمية تسقط أول ما تسقط من قيمتها الأخلاقية، لتكشف أن "المشروع" لم يكن يوماً دفاعاً عن قضايا الأمة، بل محاولة لإعادة إنتاج هيمنة تاريخية بصياغة أيديولوجية حديثة... لا تجر على المنطقة إلا الويلات.























