د. سعيد محمد ابو رحمه يكتب: القدس بين صراع الهوية ومحاولات تغيير الواقع: الدور الأردني كعامل استقرار إقليمي ودولي
نبأ الأردن -
فلسطين - غزة
تُعدّ مدينة القدس واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً في النظام الإقليمي والدولي، نظراً لما تمثله من رمزية دينية وتاريخية وحضارية تتجاوز حدود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ولذلك فإن أي تطورات تمس وضع المدينة أو مقدساتها لا تُقرأ باعتبارها أحداثاً محلية، بل باعتبارها مؤشرات على اتجاهات أوسع قد تؤثر في طبيعة الصراع ومستقبل الاستقرار في المنطقة. وفي هذا السياق يأتي الاجتماع الذي تستضيفه المملكة الأردنية الهاشمية لوزراء الخارجية لبحث الانتهاكات الإسرائيلية في القدس ودعم الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، باعتباره تحركاً سياسياً يعكس محاولة إعادة تثبيت قواعد التعامل مع ملف القدس ومنع تحولها إلى ساحة لفرض وقائع جديدة.
من منظور استراتيجي يمثل الدور الأردني في القدس أحد عناصر التوازن الرئيسية في إدارة واحدة من أكثر الملفات قابلية للاشتعال في المنطقة. فالمملكة الأردنية ترتبط بالقدس بعلاقة تاريخية ودينية وقانونية، وتتحمل مسؤولية الوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، وهي مسؤولية لا تقتصر على الجانب الرمزي، بل تشمل الحفاظ على الطابع التاريخي للمدينة وحماية حرية العبادة ومنع أي محاولات تؤدي إلى تغيير الوضع القائم الذي حافظ على قدر من الاستقرار لعقود طويلة.
وتنبع أهمية الوصاية الهاشمية من كونها تشكل إطاراً يحول دون إخضاع المقدسات لمنطق الصراع السياسي المباشر، إذ إن القدس تحتاج إلى إدارة تقوم على التوازن واحترام الخصوصية الدينية والتاريخية، بعيداً عن محاولات فرض الأمر الواقع أو استخدام المقدسات كأداة لتعزيز النفوذ السياسي. وفي هذا الإطار، ينظر الأردن إلى دوره باعتباره مسؤولية تتعلق بالحفاظ على التعايش الديني، وليس مجرد ملف تفاوضي.
إن التحرك الأردني لعقد اجتماع وزراء الخارجية يأتي في لحظة إقليمية حساسة، حيث تشهد القدس تصاعداً في التوترات المرتبطة بالإجراءات الإسرائيلية داخل المدينة، الأمر الذي يثير مخاوف من انتقال الصراع من إطاره السياسي إلى أبعاد دينية أكثر خطورة. فالقدس تمتلك قدرة استثنائية على تحريك الرأي العام العربي والإسلامي، وأي مساس بوضع المقدسات يمكن أن يؤدي إلى موجات واسعة من التصعيد يصعب احتواؤها.
ومن هنا يمكن قراءة الجهود الأردنية باعتبارها محاولة لإعادة تدويل قضية القدس، والتأكيد على أن حماية المقدسات وعلى المسؤولية الدولية المرتبطة بالقانون الدولي وبالحفاظ على الأمن والسلم الإقليميين. فالأردن يسعى من خلال تحركاته الدبلوماسية إلى بناء موقف عربي ودولي يرفض أي خطوات أحادية الجانب من شأنها تغيير طبيعة المدينة أو تقويض الترتيبات التاريخية القائمة فيها.
كما أن أهمية التحرك الأردني تكمن في أنه يأتي ضمن رؤية أوسع تعتبر القدس مفتاحاً لأي تسوية سياسية مستقبلية. فاستقرار المدينة والحفاظ على مكانتها الدينية والتاريخية يمثلان شرطاً أساسياً لأي مسار سلام حقيقي، لأن تجاهل قضية القدس أو التعامل معها باعتبارها ملفاً ثانوياً سيؤدي إلى استمرار حالة الصراع وعدم الاستقرار. ومن هذا المنطلق، فإن دعم الدور الأردني في حماية المقدسات يمثل دعماً لفكرة إدارة الصراع بطريقة تمنع الانفجار، وليس فقط دعماً لطرف سياسي معين.
وعلى المستوى الإقليمي يحمل الدور الأردني أهمية إضافية، إذ إن الأردن يمثل دولة محورية في الحفاظ على التوازنات المرتبطة بالقدس، ويمتلك شبكة علاقات سياسية مع مختلف الأطراف تمكنه من لعب دور الوسيط والحامل لرسائل التهدئة. كما أن استقرار الوضع في القدس يرتبط بشكل مباشر بأمن الأردن نفسه، نظراً للروابط التاريخية والجغرافية والديموغرافية مع الضفة الغربية والمدينة المقدسة.
لكن في المقابل تواجه الدبلوماسية الأردنية تحديات كبيرة، أبرزها استمرار الخلاف حول تفسير الوضع القائم في القدس، ووجود تيارات سياسية إسرائيلية تسعى إلى تغيير قواعد التعامل مع المسجد الأقصى والمقدسات. لذلك فإن نجاح التحرك الأردني لا يعتمد فقط على قوة الموقف السياسي، وإنما على قدرة المجتمع الدولي والدول العربية والإسلامية على تحويل الدعم المعلن إلى أدوات ضغط حقيقية تضمن احترام الوضع التاريخي والقانوني للمدينة.
وفي هذا السياق فإن الاجتماع الوزاري في عمّان يمكن قراءته باعتباره رسالة سياسية متعددة الاتجاهات: رسالة إلى إسرائيل بأن أي تغيير في وضع القدس لن يمر دون تداعيات سياسية وإقليمية، ورسالة إلى المجتمع الدولي بأن حماية المقدسات مسؤولية جماعية، ورسالة إلى الفلسطينيين بأن قضية القدس ما زالت تحظى بمكانة مركزية في التحرك العربي والدبلوماسي.
إن الدور الأردني في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس يمثل أحد أهم عوامل الاستقرار في المدينة، لأنه يستند إلى مزيج من الشرعية التاريخية والمسؤولية الدينية والدور السياسي. وفي ظل تصاعد محاولات تغيير الواقع، تصبح الوصاية الهاشمية أكثر من مجرد عنوان دبلوماسي، فهي تمثل آلية للحفاظ على هوية القدس ومنع تحولها إلى نقطة صدام ديني مفتوح. ولذلك فإن دعم هذا الدور لا يتعلق فقط بحماية المقدسات، بل بحماية فرص السلام والاستقرار في المنطقة بأكملها.























