اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. محمد صالح جرار يكتب: زيارة جلالة الملك إلى معان... عودةُ البدايات إلى مهدها

د. محمد صالح جرار يكتب: زيارة جلالة الملك إلى معان... عودةُ البدايات إلى مهدها
نبأ الأردن -
ليست معان مدينةً تستعد لاستقبال قائدها فحسب، وإنما هي صفحةٌ من صفحات التأسيس تستعيد وهجها كلما حلّ بها الهاشميون، ولذلك فإن الزيارة الملكية السامية التي يترقبها أبناء المحافظة بشغفٍ واعتزاز، تتجاوز في معناها حدود الزيارة الرسمية، لتغدو حدثًا وطنيًا تتقاطع عنده ذاكرة الدولة مع حاضرها، ويلتقي فيه التاريخ بإرادة المستقبل.
فالملوك يزورون المدن، أما جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، فإنه يعود إلى محطةٍ من محطات الرواية الأردنية الأولى، إلى الأرض التي شهدت بواكير المشروع الهاشمي، ومنها انطلقت إرادة الدولة الحديثة، والتقت البيعة الصادقة بالإرادة السياسية لتؤسس وطنًا حمل رسالته على أكتاف الرجال، وصانه الهاشميون بحكمتهم، وصانه الأردنيون بدمائهم وولائهم.
ومن هنا، فإن هذه الزيارة ليست انتقالًا في الجغرافيا، وإنما تجديدٌ لميثاق الدولة، ميثاقٍ يؤكد أن التنمية ليست امتيازًا تمنحه الدولة، بل حقٌ تكفله العدالة، وأن القرب من المواطن ليس مناسبةً عابرة، وإنما فلسفة حكمٍ انتهجها الهاشميون منذ أن ارتبط اسمهم بالأردن، وأن الجنوب ومعان لم تكن يومًا هامشًا في معادلة الوطن، بل كان أحد أعمدته التي ارتكز عليها البناء.
ولم تكن معان في التاريخ الأردني مجرد محطةٍ زمنية، بل كانت منبعًا للشرعية الوطنية، وعنوانًا للوفاء الذي لم يخفت عبر العقود، وعلى ثراها كُتبت صفحاتٌ مضيئة من قصة الدولة، فغدت شاهدًا على التضحيات التي امتزج فيها الإخلاص الهاشمي بصدق الانتماء الأردني، حتى استقرت أركان الوطن، وقامت مؤسساته، وارتفع بنيانه.
وتأتي الزيارة الملكية المرتقبة امتدادًا لنهج القيادة الهاشمية في الإصغاء المباشر للمواطن، والوقوف على احتياجاته دون وسيط، وإدارة الدولة من الميدان قبل المكاتب، وهي نهج هاشمي ورسالةٌ متجددة بأن المحافظات جميعها تحظى بعين الرعاية ذاتها، وأن ميزان الدولة لا يعرف مركزًا وأطرافًا، بل يعرف وطنًا واحدًا تتكامل أجزاؤه، ويقوى بتماسكها.
كما تحمل الزيارة رسائل اقتصادية وتنموية واضحة، تؤكد أن الجنوب ما يزال في صدارة الأولويات الملكية، وأن الاستثمار المنتج، وتوفير فرص العمل، وتمكين الشباب، وتسريع المشاريع التنموية، ليست عناوين مؤقتة، وإنما خيارات استراتيجية أرادها جلالة الملك أساسًا لعبور الأردن إلى مئويته الثانية بثقةٍ واقتدار.
ولذلك، فإن أبناء معان ينظرون إلى هذه الزيارة بعين اليقين قبل عين الأمل، لأنهم يدركون أن جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو ولي عهده الأمير الحسين بن عبدالله هما الأقرب إلى معرفة تفاصيل واقعهم، والأحرص على إزالة معيقات التنمية، والأكثر إيمانًا بأن بناء الإنسان هو الركيزة الأولى لبناء الدولة، وأن ما تشهده المنطقة من اضطرابات ومتغيرات لن يحجب البوصلة الأردنية عن هدفها الأكبر: ترسيخ دولة قوية، عادلة، منيعة، قوامها التنمية وسيادة القانون.
وإذا كانت الزيارة الملكية شرفًا تتطلع إليه معان بكل مكوناتها، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي من الجهات المحلية القائمة على تنظيم اللقاء أن تجعل العدالة وحدها معيار الاختيار، وأن تتسع قائمة التشرف بلقاء جلالة الملك لكل من يمثل المحافظة بصدق، ويعكس تنوعها الاجتماعي والمهني والشبابي، بعيدًا عن الاجتهادات الضيقة أو الاعتبارات الشخصية. فالمناسبات الملكية ليست مجالًا للمحاباة، وإنما مناسبةٌ وطنية ينبغي أن يشعر معها كل ابنٍ من أبناء معان أن المحافظة كلها كانت حاضرةً في حضرة قائد الوطن.
وها هي معان اليوم تتهيأ كما تتهيأ الأرض لوابل الغيث، لا تتزين بالحجارة والشوارع، وإنما تتزين بما في صدور أهلها من وفاء، وما في ذاكرتها من عهدٍ لم يعرف الانقطاع. فهي تعرف أن الهاشميين لم يكونوا يومًا ضيوفًا عليها، بل هم امتدادٌ لقصةٍ بدأت على أرضها وما تزال فصولها تُكتب بعزم الأردنيين جميعًا.
مرحبًا بك يا صاحب الجلالة في معان... في المدينة التي لا تستقبل ملوكها بالمراسم وحدها، بل تستقبلهم بتاريخٍ يحفظ الودائع، وقلوبٍ لا تعرف إلا الوفاء، مرحبًا بك في أول الحكاية الأردنية، حيث لا تزال البيعة حيةً في الضمائر كما كانت يوم نطق بها الآباء والأجداد، وحيث يقف الرجال على العهد، لا تبدلهم السنون ولا تفتّ في عزائمهم الحوادث.
إن معان، وهي تفتح أبوابها لجلالتكم، لا تستقبل قائدًا فحسب، بل تستقبل رمز الدولة، وحارس الشرعية، وأمين المسيرة، فحللتم أهلًا، ونزلتم في قلوبٍ جعلت الولاء دينًا، والانتماء ميثاقًا، والدعاء لكم عادةً لا تنقطع، سائلين الله أن يحفظكم، ويمد في عمركم، وأن يبقى الأردن في ظل قيادتكم حصنًا للعزة، ورايةً للمجد، ووطنًا لا تزيده الأيام إلا رسوخًا ومنعة.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions