اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الدكتور عطاالله الشرعة يكتب : قانون الملكية العقارية الجديد… هل أصبح المواطن شريكًا في أرضه دون رضاه؟

الدكتور عطاالله الشرعة يكتب : قانون الملكية العقارية الجديد… هل أصبح المواطن شريكًا في أرضه دون رضاه؟
نبأ الأردن -
ليست الأرض مجرد قطعة مسجلة في دائرة الأراضي والمساحة، ولا رقمًا على مخطط أو مساحة تقاس بالدونم والمتر؛ الأرض بالنسبة للمواطن قد تكون إرث الآباء، وتعب السنين، ورزق الأبناء، ومدخرات العمر، وآخر ما يملك. ولهذا فإن مشروع قانون الملكية العقارية المعدل المعروض أمام مجلس النواب ليس تعديلًا فنيًا عابرًا، بل يمس حقًا أساسيًا وحساسًا لكل مواطن. والسؤال الذي يجب أن يطرح بصوت مرتفع: هل جاء القانون لتنظيم الملكية وحمايتها، أم أن بعض مواده قد تجعل المواطن الطرف الأضعف عندما تتعارض ملكيته مع مشروع أو طريق أو قرار استملاك؟ نحن لسنا ضد الدولة ولا ضد التنمية ولا ضد الطرق والمشاريع العامة، بل نريد دولة تبني وتستثمر وتتقدم، لكننا نريدها أيضًا دولة عادلة؛ لأن الدولة القوية ليست التي تستطيع أن تأخذ من المواطن، وإنما التي تستطيع أن تحقق المصلحة العامة دون أن تظلمه. والمقلق أن المشروع يتيح في حالات مرتبطة بالطرق أو توسعتها وبعض المرافق العامة والحدائق والمباني العامة استملاك ما لا يزيد على ربع مساحة العقار دون تعويض. قد يبدو «ربع العقار» رقمًا عاديًا على الورق، لكنه على الأرض قد يعني ربع إرث عائلة، أو ربع مشروع، أو ربع مصدر رزق، أو جزءًا من عقار يؤدي أخذه إلى انخفاض قيمة الجزء المتبقي بالكامل. وهنا لا بد من السؤال: هل الخسارة هي مساحة الأرض المستملكة فقط، أم أن هناك ضررًا حقيقيًا يصيب ما تبقى من العقار؟ ومن يتحمل هذا الضرر؟

ثم تأتي القضية الأخطر: التعويض. إذا كانت آلية التقدير ترتبط بالقيمة الإدارية للعقار ضمن هامش محدد، فهل تعكس القيمة الإدارية في جميع مناطق المملكة القيمة السوقية الحقيقية؟ الجميع يعرف أن قيمة الأرض لا تحددها المساحة وحدها، وإنما الموقع والواجهة والاستعمال والتنظيم وقابلية الاستثمار ومئات العوامل الأخرى. فلماذا نقبل للمواطن عند أخذ أرضه بمعيار قد لا يعكس قيمتها الفعلية، بينما نعرف عند البيع والشراء أن السوق له حسابات مختلفة تمامًا؟ المواطن لا يطلب أكثر من حقه، ولا يريد أن يربح من الدولة، لكنه بالتأكيد لا يريد أن يخسر من ملكيته ثم يحصل على تعويض لا يعكس خسارته الحقيقية. والأمر لا يتوقف عند الاستملاك؛ فهناك مخاوف أخرى تتعلق بإزالة الشيوع والقسمة، خصوصًا مع تخفيف شرط الإجماع في بعض الحالات إلى موافقة ثلاثة أرباع الشركاء. قد تكون الغاية تسريع حل النزاعات وإنهاء الملفات المتراكمة، وهذا هدف مشروع، لكن السرعة لا يجوز أن تكون على حساب حقوق الأقلية؛ فالشريك الذي يملك 25% من عقار ليس مواطنًا من الدرجة الثانية، وملكيته لا تصبح أقل قداسة لأن الأغلبية قررت خلاف ما يريد. وكذلك فإن نقل بعض صلاحيات النظر في قضايا الإفراز وإزالة الشيوع إلى لجان إدارية يحتاج إلى ضمانات واضحة، لأن الأرض ليست مجرد ملف إداري، وإنما حق وملكية ومال، والمواطن يريد أن يعرف أن حقه سيكون أمام جهة مستقلة وأن القضاء سيبقى الضامن الحقيقي لحمايته.

وهنا يجب أن نكون واضحين: المشكلة ليست في وجود الاستملاك من حيث المبدأ، فالدولة تحتاج في أحيان كثيرة إلى استملاك أراضٍ لتنفيذ الطرق والمشاريع والمرافق العامة، وهذا حق تنظمه القوانين والدستور، وإنما المشكلة في حدود هذا الحق وضماناته وآلية تطبيقه. المصلحة العامة لا ينبغي أن تتحول إلى عبارة واسعة تسمح بأن يكون المواطن دائمًا الطرف الذي يدفع الثمن. وإذا كانت هناك ضرورة حقيقية لأخذ جزء من أرضه، فيجب أن يكون ذلك في أضيق الحدود، وبإجراءات شفافة، وتحت رقابة حقيقية، وبتعويض عادل يعكس القيمة الحقيقية للعقار والضرر الفعلي الذي لحق بصاحبه. فكيف نطلب من المواطن أن يثق بالقانون إذا كان يشعر أن الدولة عندما تحتاج أرضه تستطيع أن تأخذها، بينما هو لا يملك إلا الانتظار والاعتراض؟ وكيف نقنعه بأن الملكية الخاصة مصانة إذا أصبح صاحب الأرض يخشى أن يتحول جزء من ملكه إلى مشروع عام دون أن يحصل على القيمة التي يرى أنها عادلة؟ القانون لا يصبح عادلًا لمجرد أنه قانون، وإنما يصبح عادلًا عندما يحمي الطرف الأضعف قبل الأقوى، ويوازن بين المصلحة العامة وحق الفرد.

ولهذا فإن الرسالة اليوم إلى مجلس النواب ليست رفضًا للتنمية، ولا وقوفًا ضد الدولة، وإنما دفاع عن دولة القانون نفسها: يا نواب الأمة، أنتم أمام مسؤولية حقيقية تجاه المواطنين الذين انتخبوكم، فلا تمرروا أي نص يمس ملكية الناس قبل أن تتأكدوا أن الاستملاك ضرورة حقيقية، وأن التعويض عادل فعليًا لا شكليًا، وأن حقوق الأقلية من الشركاء محفوظة، وأن القضاء قادر على حماية المتضرر، وأن المواطن لن يتحمل وحده كلفة المشاريع العامة. نريد قانونًا يجعل المواطن مطمئنًا إلى أرضه، لا خائفًا منها؛ نريد تنمية لا تقوم على إضعاف المواطن؛ ونريد دولة قوية بعدالة قوانينها، لا باتساع صلاحياتها. نعم للطرق، نعم للمشاريع، نعم للاستثمار، نعم للمصلحة العامة، ولكن لا للظلم باسم القانون. فالأرض ليست مجرد دونمات في سجلات الدولة؛ إنها ذاكرة الآباء، وأمان الأبناء، وثروة العائلة، وتعب العمر. وإذا كان لا بد أن تأخذ الدولة من المواطن شيئًا لمصلحة الجميع، فلتأخذه بالحق والعدل، لا بمجرد القوة التي يمنحها النص. فالقانون الذي يحمي الدولة يجب أولًا أن يحمي المواطن، والدولة التي تحمي ملكية مواطنيها هي وحدها التي تستطيع أن تطلب منهم الثقة.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions