أحمد أبو خليل يكتب : الأردنيون الأسوياء أمام اختبار كبير
نبأ الأردن -
من المرجح أن الزمن المقبل سيشهد المزيد من الصراع الذي قد يقترب ميدانه من بلدنا أكثر.
سيجد المواطنون الأسوياء سياسيا أنفسهم أمام مأزق صعوبة اتخاذ موقف، لأن المعادلة معقدة.
أقصد بالأسوياء بشكل أساسي: كل من يضع بلده في المكان الأول، وفي الوقت نفسه يحرص على توجيه نظره نحو عدوه الأول أي اسرائيل.
في العنوان الثاني المتعلق بالعداء لإسرائيل، توجد دراسات حقيقية تقول بأن الأردنيين من أكثر الشعوب عداء لإسرائيل، هذا فضلا عن أن أغلبنا يلاحظ ذلك بعيدا عن الدراسات.
أما في العنوان الأول أي محبة الأردني لبلده ووضع ذلك في المكانة الأولى، فصحيح أنه لا توجد دراسات إحصائية مماثلة، ولكن كل الأحداث والمواقف الحساسة تشير إلى توفر ذلك بدرجة كبيرة، فالأردنيين حريصون بالفعل على بلدهم، وهناك حساسية عالية تجاه المخاطر المحتملة.
كيف يتمكن الأردني السوي من أن يبقى سويا في الظروف المقبلة؟
خشية التعميم المخل، ولكي لا أفرض رأيا على أحد، سأتكلم عن نفسي مثلا:
هذه حرب كبيرة، وهي في الأصل عدوان أمريكي اسرائيلي على إيران، كامتداد لعدوان مماثل على مناطق كثيرة في هذا العالم، وخاصة في دول جنوب العالم. ومنه بالطبع العدوان على فلسطين ولبنان.
بالنسبة لي، لا يمكن إلا أن احترم كل من يتصدى لهذا العدوان.
لكن، هل يعني ذلك أن إيران، الدولة المعتدى عليها، سواء انتصرت أو هزمت (لا سمح الله) ستأخذ مصالحنا الوطنية بالاعتبار؟
أظن أن الجواب هو النفي. وهذا طبيعي بالنسبة لإيران كدولة في صراع كبير. أرى ان التضامن مع إيران لا يعني الولاء لها.
لا أتفق مع الرأي القائل إن إيران تضعنا في خانة اعدائها.
بالمقابل، لم يقبل الأردن خلال العقود الأخيرة اقتراح وضع إيران كعدو محل اسرائيل. وبالطبع توقفت حالة العداء الرسمي مع إسرائيل بحكم اتفاقية وادي عربة، ولكن تحول توصيف اسرائيل إلى الخطر الأول، ورفضت الدولة المقترح الضاغط نحو التبديل والإحلال.
هل "أمطمط" بالكلام؟
إذن سأختصر:
في مجمل تاريخ بلدنا، وخاصة منذ خمسينات القرن الماضي، كان الحكم في الأردن، هو الطرف الأكثر حرصا على حماية البلد/ الدولة.
كل المشاريع السياسية، رغم بسالة أنصارها وتضحياتهم الكبيرة والهامة، لم تكن تضع الوطن الأردني في الموقع الأول. فقد انقسمت المشاريع بأنواعها كافة بين أولوية لندن وواشنطن وموسكو والقاهرة وبغداد ودمشق ومنظمة التحرير (أو مع التنظيم الدولي للإخوان ممثلا بتركيا حينا وقطر حينا آخر)، وكان الجميع يضع البلد في موقع ثاني أو ثالث أو عاشر.
بالطبع كان هذه هو منطق وسياق العمل السياسي في ذلك الزمن.
قد يقول أحدكم، إن الحكم كانت له ولاءات أيضا، وقد صنف نفسه ضمن المعسكر الغربي، لندن ثم واشنطن.
هذا صحيح، ولكن في المفاصل الرئيسية، واصل الحكم وضع البلد في الموقع الأول. من جهة بسبب مصالحه كحكم، ولكن الأهم أنه مبكرا حسم موقفه في أن بقاءه كحكم يكمن في بقاء البلد. وفي تفاصيل التاريخ السياسي الكثير من الشواهد.
هل يعني ذلك أني أدعو إلى حرمان المواطن من أن يختلف مع الحكم؟ كلا بالتأكيد. حق الإختلاف مشروع حتى لو احتاج للكفاح في سبيله. ذلك أن الصراع الاجتماعي والسياسي هو سمة الشعوب الحية.
بما أني أخذت نفسي كمثال: سأستعير فكرة "قواعد الاشتباك". ذلك أن هناك بالفعل قواعد للاشتباك في الصراعات الداخلية، عندما يكون الوطن ككل جزءً من هذا الصراع.
قاعدة الاشتباك الرئيسية هنا تقول: الحق بالاختلاف، مع حق الحكم باتخاذ القرار، وبالطبع فإن المسؤولية السياسية والوطنية على عاتق الحكم لوحده كالعادة.
قد يسألني أحد: هل تقصد الاكتفاء بإبداء الرأي؟ جوابي نعم، ابداء الرأي والموقف بشتى الأشكال. لأنه ببساطة لا يوجد فريق آخر يضمن وجود سيطرة وطنية على مقترحه ومشروعه إذا سعى فعلا لتحقيقه. إذن حقه في إعلان موقفه، ولكن دون وهم العمل فعلا لتحقيقه. لا يوجد فريق (بما في ذلك التيار الإسلامي) لديه مشروع يمكن الوثوق به وطنيا بالكامل. وأخص التيار الإسلامي لأنه الأكثر حضورا.
الأهمية الكبرى والأولى هي الحفاظ على البلد. والطرف الوحيد الذي يمكن أن يحمل مسؤولية قراره، ثم يمكن ان نحمله مسؤولية قراره، هو الحكم.























