اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

عبدالله بني عيسى يكتب : مقال لطويلي البال .. لسنا طارئين على الحياة .. الانغلاق هو الطارئ

عبدالله بني عيسى يكتب : مقال لطويلي البال .. لسنا طارئين على الحياة .. الانغلاق هو الطارئ
نبأ الأردن -
تخيّلوا هذا المشهد في جرش قبل نحو ألفي عام.
تميل الشمس ببطء خلف التلال، وتغمر حجارة المدينة بلونها الذهبي. في الشوارع المرصوفة بالأعمدة، يتحرك الناس في هدوء نحو المسرح الجنوبي. تجار أغلقوا حوانيتهم، وحرفيون أنهوا أعمالهم، وعائلات جاءت من المدينة والقرى المحيطة، وشبان يتبادلون الحديث والضحكات وهم يصعدون درجات المدرج الحجري.
تمتلئ المقاعد تدريجياً. آلاف البشر يجلسون في نصف دائرة هائلة، تتجه أنظارهم إلى خشبة المسرح المزخرفة. يسود الصمت لحظة، ثم يبدأ العرض. قد تكون مسرحية، أو عرضاً موسيقياً، أو احتفالاً عاماً، أو مناسبة مدنية، أو خطاباً يهم أهل المدينة. يصل الصوت واضحاً إلى أعلى المدرجات بفضل عبقرية الهندسة الرومانية التي ما زالت تدهش العالم إلى اليوم.
لم يكن أولئك الآلاف جميعاً غرباء قدموا مع جحافل الإمبراطورية الرومانية، ولم تكن جرش مدينة أقيمت في أرض خالية من البشر. كانت مدينة عامرة بأهلها (أجدادنا الأوائل)، بأسواقها وبيوتها ومؤسساتها، ولذلك احتاجت إلى مسرح يتسع لآلاف الناس. بُنيت المدرجات لتحتضن جمهوراً حقيقياً، يعيش، ويجتمع، ويحتفل، ويتفاعل مع الفنون والحياة العامة.
ثم انظروا إلى عمّان، "فيلادلفيا". هناك أيضاً شُيّد مسرح يتسع لنحو ستة آلاف متفرج. ستة آلاف مقعد ليست زينة معمارية، بل شهادة على مدينة نابضة بالحياة، كان أهلها يرتقون درجات المسرح كما نفعل نحن اليوم، يجلسون متجاورين، يتابعون العروض والاحتفالات والمناسبات العامة.
وفي البترا، لم ينحت الأنباط مسرحاً ضخماً في قلب الصخر لمجرد استعراض هندسي. لقد كانت المدينة نفسها إعلاناً عن حضارة أحبت الجمال. مدينة للماء والحدائق والعمارة والأسواق والقوافل، وكان المسرح فيها جزءاً من حياة مدنية كاملة، لا تفصيلاً هامشياً فيها. فالحضارات التي لا تعرف قيمة الفن، لا تستثمر في بناء مسارحها.
ببساطة : أهل هذه الأرض لم يكونوا يوماً غرباء عن الاجتماع والاحتفال والفنون والجمال.

ثم اقفزوا معي قروناً طويلة إلى الأردن الحديث.
في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، كانت دور السينما في عمّان وإربد (ولاحقاً في الكرك) جزءاً طبيعياً من الحياة الاجتماعية. وفي إربد، لم يكن أجمل شوارع المدينة يُعرف باسم "شارع السينما" من فراغ. كانت دور العرض مثل الزهراء والفردوس تستقبل الناس مساءً كما تستقبلهم المقاهي والساحات اليوم.
كانت سيدات من عشائر إربد وعائلاتها العريقة يرتدين أجمل ما لديهن، ويرافقن أزواجهن أو أشقاءهن أو أبناءهن إلى السينما لمشاهدة فيلم جديد. لم يكن خروج المرأة إلى الفضاء العام فضيحة أخلاقية، ولم يكن الجلوس في قاعة عرض عملاً يستوجب التخوين أو الاتهام أو الوصاية.
ولم تكن تلك استثناءات. إذ كان المجتمع الأردني، رغم محافظته الطبيعية، أكثر انفتاحاً وثقة بنفسه مما يحاول البعض تصويره اليوم.
في المجتمع البدوي الأردني، الذي يحاول البعض احتكاره اليوم بوصفه نموذجاً للانغلاق، كانت مكانة المرأة مرتبطة بالشرف والكرامة والاحترام. وعرفت الأعراف العشائرية ما يسمى بـ"النَّصفة"، وهي من أشد صور الاعتذار والتعويض، حين يُلزم الرجل إذا ارتكب بحق امرأة إساءة بالغة أن يدفع لها نصف ما يملك طلباً للعفو، اعترافاً بأن ما اقترفه ليس هيناً. قد تختلف تطبيقات هذا العرف بين منطقة وأخرى، لكنه يكشف عن حقيقة مهمة: المجتمع كان ينظر إلى كرامة المرأة باعتبارها قيمة تستحق أغلى الأثمان، لا باعتبارها ذريعة لفرض الوصاية عليها.
وكانت الأعراس الأردنية، في البادية والريف والمدينة، مواسم فرح حقيقية. الرجال والنساء يحتفلون بالحياة، والزفات تجوب الشوارع والأحياء، والأغاني الشعبية تملأ المكان، ولم يكن أحد يتعامل مع الفرح وكأنه تهمة تحتاج إلى محكمة أخلاقية.
وكانت الجامعات الأردنية، في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تمتلئ بالطالبات اللواتي يدرسن ويتحركن في الحرم الجامعي دون ذلك القدر من الضغوط الاجتماعية وخطابات الوصاية التي أخذت تتضخم في العقود الأخيرة، حتى بدا وكأن وجود المرأة في المجال العام يحتاج في كل مرة إلى من يمنحه الإذن.
ولمن يشكك عليه أن يقرأ مثلاً لمن وثّق التراث الأردني، العلامة روكس بن زائد العزيزي، الذي لم يرَ أي تعارض بين الدفاع عن التراث وبين عشق المسرح. الرجل الذي أفنى عمره في تدوين العادات والأمثال واللهجات، كان هو نفسه من رواد المسرح الأردني، يكتب النصوص، ويخرجها، ويعرضها في مادبا والسلط وعجلون وعمّان. لم يكن يرى في الفن نقيضاً للتراث، بل امتداداً له.
ويقرأ لأحمد صدقي الدجاني في وصفه للحياة الاجتماعية في عمّان والسلط، وسليمان الموسى في كتاباته عن المجتمع الأردني، وخير الدين الزركلي في وصف شرق الأردن في عشرينيات القرن الماضي، وفؤاد الخطيب، و مذكرات الرحالة البريطانيين الذين زاروا شرق الأردن في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، إذ يصف كثير منهم الأعراس والضيافة والمناسبات الاجتماعية والاختلاط في الأسواق والاحتفالات.
ولو قُدِّر لهذا المجتمع أن يمضي بالوتيرة نفسها من الانفتاح الطبيعي، ومن ثقته بنفسه، ومن قدرته على التوفيق بين قيمه الأصيلة ومتطلبات العصر، لكنا اليوم، في تقديري، في مكان آخر أكثر تقدماً وازدهاراً. فالمجتمعات التي تنفتح على الحياة لا تخسر هويتها، بل تطور أدواتها، وتوسع أفقها، وتمنح أبناءها فرصة أكبر للإبداع والابتكار والعيش الكريم.
لكن شيئاً ما حدث. ففي العقود الأخيرة، تمددت إلينا الموجة الصحوية بما حملته من قراءات شديدة الانغلاق للعلاقة بين الدين والحياة، وبين الرجل والمرأة، وبين المجتمع والفنون. لم تصنع هذه الموجة المجتمع الأردني، لكنها نجحت في إعادة تشكيل جزء من وعيه، حتى بدأ كثيرون يظنون أن التشدد هو الأصل، وأن الانفتاح هو الاستثناء، مع أن الوقائع التاريخية والاجتماعية تقول العكس.
والمفارقة أن المجتمعات التي صدّرت إلينا تلك الأفكار بدأت منذ سنوات تراجع تجربتها، وتنتقد آثارها، وتعيد الاعتبار للفنون ولحقوق المرأة وللمجال العام. أما نحن، فيخرج بيننا اليوم من يريد أن يجعل الأردن آخر من يرث تلك المرحلة، وكأن قدرنا أن نستورد الأفكار بعد أن يتخلى عنها أصحابها.
لهذا، لا يبدو مستغرباً أن يخرج نائب سابق ليهاجم خروج المرأة إلى الفعاليات الجماهيرية، ويستنكر وجودها في المدرجات الرياضية أو المقاهي، ويصف ذلك بأنه "مزاحمة للرجال ومباطحتهم".
ولا يبدو مستغرباً أيضاً أن يتقدم نائب حالي بمقترحات يريد من خلالها أن يعلّم الأردنيين كيف يلبسون، وما الذي يعد لباساً "لائقاً"، وما الذي لا يجرح الحياء. وكأن مشكلة الأردن اليوم تكمن في طول الأكمام أو عرض البنطال، لا في التعليم، ولا في الاقتصاد، ولا في البطالة، ولا في جودة الإدارة، ولا في مستقبل الأجيال.
إنها معركة قديمة تُخاض كل مرة بالعنوان نفسه: المرأة.
يريدون للمرأة كرامة على مقاس فهمهم هم للكرامة. يريدونها محصورة في الدور الذي رسموه لها، تتحرك بإذن الرجل، وتفرح بإذنه، وتشارك بإذنه، وكأنها قاصر أبدية، حتى لو كان هذا "الولي" نفسه يمارس من السلوكيات ما يهدم كل منظومة الأخلاق التي يدّعي الدفاع عنها.
ثم يأتي الدور على مهرجان جرش.
في كل عام تقريباً، يخرج من يطالب بإلغائه لأنه – بحسب زعمه – "يهدد المنظومة الأخلاقية والتربوية لأبناء وبنات الأردن".
أي منظومة أخلاقية هذه التي يمكن أن تهزمها أغنية؟
وأي قيم يمكن أن تنهار لأن أسرة أردنية جلست في مدرج تستمع إلى مطرب أو فرقة موسيقية؟
إذا كانت الأخلاق بهذه الهشاشة، فالمشكلة ليست في المسرح، بل في فهمنا للأخلاق.
ثم نسمع من يقول إن هذه الأغاني أو تلك الفرق "لا علاقة لها بالثقافة".
يا للهول!
هل تريدون الثقافة حقاً؟
الثقافة ليست فقط القصيدة التي توافق ذائقتكم، ولا المحاضرة التي تؤكد قناعاتكم، ولا الكتاب الذي يعيد إنتاج أفكاركم. الثقافة أوسع من ذلك بكثير.
الثقافة هي المسرح، والموسيقى، والرواية، والسينما، والفن التشكيلي، والرقص الشعبي، والفلسفة، والجدل، والنقد، والأسئلة الكبرى، والقدرة على مراجعة الذات.
بل إن جوهر الثقافة ليس ترديد ما نعرفه، وإنما امتلاك الشجاعة لمساءلة ما نظنه مسلمات.
فهل أنتم مستعدون لذلك حقاً؟
هل تقبلون حواراً ثقافياً مفتوحاً يناقش ما تعتبرونه ثوابت اجتماعية أو موروثات لا يجوز الاقتراب منها؟
هل تمتلكون الشجاعة التي امتلكتها أمم أخرى حين أخضعت تراثها للنقد، وأبقت منه ما يليق بكرامة الإنسان، وتجاوزت ما عطّل تقدمها؟
أم أن الثقافة التي تريدونها ليست سوى ثقافة ذات لون واحد، وصوت واحد، واتجاه واحد، محاطة بأسوار حديدية، تخاف من السؤال أكثر مما تخاف من الإجابة؟
الشعوب المتحضرة لم تتقدم لأنها أنكرت تراثها، بل لأنها امتلكت الجرأة على مراجعته، وعلى التمييز بين ما هو قيمة إنسانية خالدة، وما هو اجتهاد بشري ارتبط بزمانه وظروفه ولم يعد صالحاً لكل زمان ومكان.
أما نحن، فنخوض اليوم معركة معاكسة.
بدلاً من أن نفتح النوافذ، نغلقها.
وبدلاً من أن نوسع المجال العام، نضيقه.
وبدلاً من أن نمنح المجتمع مزيداً من الثقة بنفسه، نزرع فيه مزيداً من الخوف من المرأة، ومن الفن، ومن الموسيقى، ومن الفرح، ومن الاختلاف.

أخشى أن مجتمعنا، من حيث لا يشعر، يتدعش.
ولا أقصد بذلك الإرهاب بمعناه الأمني، بل أقصد طريقة التفكير التي ترى العالم بالأبيض والأسود، والتي تحتكر الحقيقة، وتضيق بالاختلاف، وتعتبر الوصاية فضيلة، وتخلط بين التدين والتشدد، وبين الأخلاق والقمع، وبين الفضيلة والخوف.
صحيح أن وسائل التواصل الاجتماعي ليست مرآة دقيقة للمجتمع، لكنها أصبحت، للأسف، مكبر صوت هائلاً للنبرات الأكثر تطرفاً. والخوارزميات لا تكافئ الحكمة ولا الاتزان، بل تكافئ الصدام والغضب والإثارة، فيبدو المتشددون أكثر عدداً مما هم عليه، ثم يتحول ضجيجهم شيئاً فشيئاً إلى ضغط على المجتمع وصناع القرار.
لكنني، رغم كل ذلك، ما زلت أؤمن أن الأردن الحقيقي أكبر من هذا الضجيج.
الأردن الحقيقي هو ذلك المجتمع الذي ملأ مدرجات جرش وأم قيس قبل ألفي عام، والذي بنى مسرح عمّان، ونحت مسرح البترا، وازدحمت فيه دور السينما، وتجولت فيه زفات الأعراس في الشوارع، وغنت فيه النساء كما غنى الرجال، وضحك فيه الناس معاً، وبكوا معاً، واحتفلوا معاً.
الأردن الحقيقي لم يكن يوماً عدواً للفن، ولا خائفاً من المرأة، ولا مرتاباً من الفرح.
هذه ليست معركة بين التدين والانحلال، كما يحاول البعض تصويرها، بل هي معركة بين مجتمع واثق من نفسه، يعرف أن قيمه لا تهتز بأغنية، وبين عقلية تعتقد أن الفضيلة لا تعيش إلا إذا حُوصرت الحياة.
الذين بنوا المسارح قبل ألفي عام لم يكونوا أعداءً للأخلاق، والذين ملأوا دور السينما في إربد وعمّان قبل سبعين عاماً لم يكونوا أقل أردنية ولا أقل احتراماً لقيم مجتمعهم من أحد.
لهذا، فإن الدفاع عن الفن ليس دفاعاً عن حفلة، والدفاع عن مهرجان جرش ليس دفاعاً عن مطرب، والدفاع عن حق المرأة في أن تكون حاضرة في الفضاء العام ليس دفاعاً عن شخص بعينه.
إنه دفاع عن الأردن نفسه...عن شخصيته التي تشكلت عبر آلاف السنين.. عن مجتمع أحب الحياة قبل أن يتعلم البعض كيف يخاف منها. فالانفتاح ليس دخيلاً علينا، بل هو جزء من ذاكرتنا.
أما الانغلاق فهو الطارئ.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions