د.عطاالله الشرعة يكتب: الأردن ليس فقيرًا… نحن فقراء في إدارة ما نملك!
نبأ الأردن -
من أقنعنا أن الأردن فقير؟ نعم، لا نملك نفط الخليج ولا غاز قطر، لكن هل أصبح هذا مبررًا دائمًا للبطالة والغلاء وضعف الإنتاج وضيق الخيارات؟ الأردن يملك ما يكفي ليصنع اقتصادًا أقوى مما هو عليه: أرضًا، وشمسًا، وموقعًا جغرافيًا، وقطاعًا سياحيًا، وخبرات بشرية، وثروة من الشباب، وإمكانات زراعية وصناعية واستثمارية. لكن المشكلة أننا ننظر إلى كل مورد منفردًا، ولا نعرف كيف نحوله إلى منظومة إنتاج. لدينا أرض لا تستثمر كما يجب، وشباب نعلّمهم سنوات ثم نطلب منهم انتظار وظيفة، ومياه نستهلكها بأعلى كلفة، وطاقة يمكن أن تكون أداة للإنتاج، وسياحة يمكن أن تكون اقتصادًا للمحافظات لا مجرد أرقام زوار. نحن لا نعاني فقط من ندرة الموارد؛ نعاني من ندرة الأفكار التي تحول الموارد إلى ثروة.
والأكثر إيلامًا أن الدولة تتعامل مع البطالة والفقر وكأنهما مشكلتان منفصلتان، بينما أصل المشكلة واحد: اقتصاد لا ينتج بما يكفي. لماذا لا تتحول أجزاء من الأراضي الحكومية القابلة للاستثمار إلى مشاريع إنتاجية لشباب أردنيين، ضمن عقود واضحة تحفظ ملكية الدولة وتمنع التلاعب؟ لماذا لا نربط الأرض بالماء والطاقة والتمويل والتكنولوجيا والتسويق، حتى لا نعطي الشاب "أرضًا” ونتركه وحده أمام السوق؟ ولماذا لا يصبح دعم المزارع مرتبطًا بزيادة الإنتاج والتصنيع والتصدير؟ نحن بحاجة إلى الانتقال من عقلية "توفير وظيفة” إلى عقلية "صناعة منتج”؛ فالمشروع الذي ينتج يخلق وظائف، والمصنع الذي يصدر يجلب عملة، والمزرعة التي ترتبط بالتصنيع تخلق سلسلة اقتصادية كاملة. أما الاستمرار في معالجة البطالة بالبرامج المؤقتة، فهو أشبه بوضع مسكن على مرض مزمن.
وهنا يجب أن نكون أكثر جرأة: المشكلة ليست دائمًا في نقص المال، بل في أين نضع المال وماذا نطلب منه أن ينتج. كل دينار عام يجب أن يكون له عائد، وكل مشروع يجب أن يجيب عن سؤال: ماذا أضاف للاقتصاد؟ وكل أرض حكومية قابلة للاستثمار يجب أن تجيب عن سؤال: لماذا لا تنتج؟ وكل مؤسسة يجب أن تقاس بما أنجزته، لا بعدد موظفيها واجتماعاتها. نحن بحاجة إلى دولة تنتقل من إدارة الأزمات إلى إدارة الإنتاج؛ من تمويل الاستهلاك إلى تحفيز الاستثمار؛ ومن حماية الإجراءات إلى حماية المستثمر والمنتج؛ ومن انتظار الوظائف إلى خلق قطاعات اقتصادية جديدة. والأهم أن نتوقف عن النظر إلى الشباب كعبء على الدولة، فالشاب العاطل ليس مجرد رقم في جدول البطالة؛ إنه رأس مال معطل. وإذا كان لدينا آلاف الشباب الذين يبحثون عن فرصة، فلدينا في المقابل آلاف المشاريع التي يمكن أن تولد إذا تغيرت طريقة التفكير.
لذلك، ربما آن الأوان أن نتوقف عن ترديد أن الأردن "فقير الموارد” وكأنها شهادة عجز دائمة. نعم، مواردنا محدودة، لكن السؤال ليس كم نملك، بل كم نستطيع أن ننتج مما نملك؟ الدول لا تصبح قوية لأنها تملك كل شيء، بل لأنها تعرف كيف تجعل القليل كثيرًا. وإذا كانت الأرض محدودة، فلنجعل كل دونم أكثر إنتاجًا. وإذا كان الماء شحيحًا، فلنجعل كل قطرة أكثر قيمة. وإذا كانت الطاقة مكلفة، فلنجعل الاستثمار في الطاقة وسيلة لخفض كلفة الإنتاج. وإذا كان المال العام محدودًا، فلنضعه حيث يصنع قيمة وفرص عمل. وإذا كان أكبر ما نملك هو الإنسان، فلنضع الإنسان في قلب الاقتصاد لا على هامشه. ربما الأردن ليس فقيرًا كما أقنعونا… ربما نحن فقط اعتدنا أن ننظر إلى ما ينقصنا، ونسينا أن نسأل: ماذا أهدرنا مما نملك؟ وإذا كان الأردن فقير الموارد… فلماذا لا نكون أغنياء بالإدارة؟

























