شيرين قسوس تكتب: الصفاوي.. وصمة عار في جبين الإنسانية... قرار بالاعدام الجماعي ل ٣٠٠٠ كلب
نبأ الأردن -
من المؤلم أن ترى وطنًا فيه أشخاص يقطعون مئات الكيلومترات ليحملوا الماء والطعام إلى كائنات لا تملك صوتًا، بينما هناك من يصر على أن يجعل العطش وسيلة للموت. هذه ليست قصة كلاب ضالة، بل قصة ضمير، وقصة اختبار حقيقي لإنسانيتنا.
منذ سنوات، كرست سمو الأميرة عالية جهودها لترسيخ نهج يقوم على التعامل مع الكلاب الضالة بالرحمة والعلم، عبر تعقيمها وتطعيمها وإعادتها إلى أماكنها، لأن القتل لم يكن يومًا حلًا، ولأن الحضارة تُقاس بكيفية تعاملها مع أضعف المخلوقات. لكن بعض البلديات اختارت طريقًا مختلفًا؛ طريق البنادق والسم، وكأن إزهاق الأرواح هو الإنجاز الوحيد الذي تستطيع تحقيقه.
واليوم تتكرر المأساة في الصفاوي، حيث نُقلت آلاف الكلاب إلى قلب الصحراء، بعيدًا عن كل مصادر الحياة، لتواجه حرارة الصيف والعطش والجوع. لم يكن أمامها إلا الموت البطيء، لولا أن تحرك متطوعون رفضوا أن يشاهدوا هذه الكارثة بصمت. اجتمعوا، وبنوا حوضًا للمياه، وأصبحت السيدة إيمان، ومعها متطوعون آخرون، يحملون الماء والطعام بشكل يومي، لا لأن أحدًا طلب منهم ذلك، بل لأن الرحمة لا تحتاج إلى أوامر، ولأن الضمير لا ينتظر مقابلًا.
لكن بدل أن تُترك هذه المبادرة الإنسانية لتخفف من معاناة تلك الأرواح، قامت بلدية الصفاوي بهدم حوض المياه. لم تكتفِ بحرمان الكلاب من موطنها، بل حرمتها حتى من جرعة الماء التي كانت تبقيها على قيد الحياة. أي قسوة هذه؟ وأي رسالة تُرسل عندما يصبح الماء هدفًا للهدم؟ إذا كان البعض يرى أن المشكلة هي وجود الكلاب، فهل أصبح التعطيش هو الحل؟ وهل أصبحت محاربة من يحمل الماء عملًا يستحق الإشادة؟
ثم يظهر من يقول: "هناك بشر أولى بالمساعدة." وكأن الرحمة مورد ينفد إذا امتدت إلى حيوان. الحقيقة أن الإنسان الرحيم لا يختار بين المظلومين، ولا يقيس الرحمة بالأنواع. الذي يحمل الماء لكلب عطشان، لن يتردد في حمله لطفل عطشان أو لعجوز محتاج. أما من يستخدم معاناة الناس ذريعة لتبرير القسوة على الحيوانات، فهو لا يدافع عن الإنسان، لأنه لو كان يحمل هذا القدر من الرحمة، لكان أول الواقفين إلى جانب المحتاجين بدل الوقوف في وجه من يحاول إنقاذ أرواح ضعيفة.
الأديان لم يجعل الرحمة اختيارًا، ولم تحصرها بالإنسان وحده. الرحمة خُلُق، ومن يفقدها مع الحيوان، يفقد جزءًا منها مع الإنسان. ولهذا فإن القضية ليست قضية ثلاثة آلاف كلب في الصفاوي، بل قضية مجتمع يريد أن يبقى محتفظًا بإنسانيته. لأن القسوة لا تتوقف عند الحيوان، بل تتحول مع الوقت إلى أسلوب حياة، وإلى قلب لا يهتز أمام الألم.
لن يصنع قتل الكلاب مجتمعًا أكثر أمنًا، ولن يصنع هدم حوض ماء مجتمعًا أكثر قوة، ولن يجعل تعطيش آلاف الأرواح أي شخص أكثر نجاحًا. ما يصنع مجتمعًا محترمًا هو الرحمة، والعقل، والإحساس بالمسؤولية. أما من يحارب حتى قطرة الماء، فهو لا ينتصر على الكلاب، بل ينتصر على الرحمة نفسها، وعندما تُهزم الرحمة، يخسر الجميع.
ارحموا من بالأرض، يرحمكم من بالسماء!


























