اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

م. صلاح طه عبيدات يكتب: رئيس جامعة اليرموك وسياسة احتجاز أموال الطلبة... عندما تتحول الجامعة إلى جابيٍّ بعباءة أكاديمية

م. صلاح طه عبيدات يكتب: رئيس جامعة اليرموك وسياسة احتجاز أموال الطلبة... عندما تتحول الجامعة إلى جابيٍّ بعباءة أكاديمية
نبأ الأردن -
حين يصبح المال هو الفلسفة التي تحكم القرار، تموت الرسالة، ويتحول الحرم الجامعي من محرابٍ للمعرفة إلى مكتبٍ للتحصيل، ومن مصنعٍ للعقول إلى خزنةٍ لإدارة التدفقات النقدية.
هذه ليست أزمة مالية... بل أزمة ضميرٍ إداري.
فما يُثار حول استمرار احتجاز الأموال التي دفعها الطلبة قبل وصول المنح أو القروض الرسمية، والإبقاء عليها كـ"رصيد دائن" حتى التخرج، لا يبدو مجرد إجراءٍ محاسبي؛ بل يكشف ـ إن صح تطبيقه على هذا النحو ـ عن فلسفةٍ إدارية ترى في الطالب مصدراً للسيولة أكثر مما تراه محوراً للعملية التعليمية.
أيُّ جامعةٍ هذه التي تُعلّم القانون، بينما تُثار حول سياساتها أسئلةٌ تتعلق بحقوق أصحاب الأموال؟
وأيُّ رسالةٍ أكاديمية تلك التي تجعل الطالب ينتظر سنوات ليستعيد مالاً أصبح، منطقاً وعدلاً، حقاً خالصاً له؟
إن الجامعة التي تفقد حساسيتها تجاه معاناة طالبٍ قد يحتاج ثمن كتاب، أو أجرة حافلة، أو قسط سكن، تكون قد بدأت تفقد رسالتها الأخلاقية قبل رسالتها العلمية.
إن أخطر أشكال الانحراف المؤسسي ليس الفساد المالي، بل تطبيع الممارسات الإدارية التي تجعل الاستثناء قاعدة، وتجعل التعليمات الداخلية تتضخم حتى تكاد تنافس مبادئ العدالة وسيادة القانون.
هنا يكمن السؤال الكبير:
هل تُدار جامعة اليرموك بعقلية الجامعة... أم بعقلية المؤسسة المالية؟
وهل أصبح الطالب في نظر الإدارة مشروع "رصيد دائن" أكثر منه مشروع عالمٍ أو باحثٍ أو قائد مستقبل؟
إن رئاسة الجامعة تتحمل المسؤولية السياسية والإدارية عن كل سياسةٍ تمس علاقة الثقة بين الطالب وجامعته. فالقيادة لا تُقاس بعدد الاجتماعات، ولا بحجم الموازنات، وإنما بقدرتها على حماية الحقوق قبل حماية الأرقام.
المؤسسات العظيمة لا تُعرف بما تجمعه من أموال، بل بما تمنحه من عدالة.
أما حين تصبح السيولة هدفاً، ويتراجع الإنسان إلى المرتبة الثانية، فإن المؤسسة تكون قد بدأت رحلة الابتعاد عن رسالتها، مهما ازدانت بالشعارات والاحتفالات والتصنيفات.
جامعة اليرموك لم تُبنَ لتكون مصرفاً يحتفظ بأموال الطلبة، بل بُنيت لتكون منارةً للفكر، وحصناً للعدالة، ومدرسةً في احترام الحقوق.
إن هيبة الجامعات لا يصنعها فائض الحسابات البنكية، بل يصنعها احترامها لحقوق طلبتها، وشفافيتها في قراراتها، وإيمانها بأن الطالب ليس خزينةً متنقلة، ولا وسيلةً لمعالجة اختلالات التدفق المالي.
فحين تتقدم المحاسبة على العدالة... يصبح الجابي أرفع مقاماً من الأستاذ، ويصبح دفتر الحسابات أهم من الكتاب.
وهنا لا تسقط الجامعة مالياً... بل تسقط فلسفياً. وتلك هي الخسارة التي لا تعوضها كل أرصدة الدنيا.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions