اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د عطاالله الشرعة يكتب: الطبقة الوسطى والدولة

د عطاالله الشرعة يكتب: الطبقة الوسطى والدولة
نبأ الأردن -
ليست قوة الدول في حجم موازناتها أو عدد مشاريعها، بل في قوة مواطنيها وقدرتهم على العيش الكريم. وإذا أردنا مقياسًا حقيقيًا لصحة الاقتصاد، فلن نجد أفضل من قوة الطبقة الوسطى، فهي العمود الفقري للدولة، والمحرك الحقيقي للإنتاج والاستهلاك والاستثمار.

فالطبقة الوسطى تضم الموظف، والمعلم، والطبيب، والمهندس، والعسكري، وصاحب المشروع الصغير. وهي التي تدفع الضرائب، وتحرك الأسواق، وتبني الأسر، وتستثمر في التعليم، وتحافظ على الاستقرار الاجتماعي.

لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الطبقة من فئة تخطط للمستقبل إلى فئة تكافح من أجل البقاء.

حين ينتهي الراتب قبل نهاية الشهر، ويتحول الادخار إلى حلم، وامتلاك منزل إلى أمنية، وتأجيل الزواج إلى ضرورة، فإننا لا نتحدث عن أزمة أفراد، بل عن خلل اقتصادي يمس المجتمع بأكمله.

فالاقتصاد لا ينمو إذا ضعفت القدرة الشرائية. وعندما يقل إنفاق الأسر، تتراجع مبيعات التجار، ويتباطأ الإنتاج، ويتردد المستثمر، وتزداد البطالة. إنها سلسلة تبدأ من جيب المواطن، لكنها تنتهي بتباطؤ الاقتصاد الوطني.

إن أخطر ما تواجهه الطبقة الوسطى ليس ارتفاع الأسعار وحده، بل اتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة. فكل زيادة في الكهرباء، والمحروقات، والإيجارات، والتعليم، والرسوم، تعني تراجعًا جديدًا في قدرتها على الحياة الكريمة.

ولهذا فإن حماية الطبقة الوسطى ليست قضية اجتماعية فقط، بل ضرورة اقتصادية ووطنية. فالدول التي تمتلك طبقة وسطى قوية تكون أكثر استقرارًا، وأكثر قدرة على تحقيق النمو، بينما يؤدي تآكلها إلى اتساع الفقر، وضعف الأسواق، وهجرة الكفاءات، وتراجع الثقة بالمستقبل.

إن إعادة بناء الطبقة الوسطى تبدأ بإصلاح السياسات الضريبية، وربط الأجور بمعدلات التضخم، وخفض كلف الإنتاج والطاقة، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والتوسع في الاستثمار بالزراعة والصناعة، لأنها القطاعات القادرة على خلق فرص عمل حقيقية وزيادة الدخول.

كما أن استثمار الأراضي الحكومية في مشاريع إنتاجية، ومنح الشباب فرصًا للعمل والملكية والإنتاج، كفيل بإعادة الأمل إلى آلاف الأسر، وتحويل الدعم من استهلاك مؤقت إلى إنتاج مستدام.

إن حماية الطبقة الوسطى ليست دفاعًا عن فئة بعينها، بل دفاع عن الاقتصاد الوطني كله. فهي التي تحرك الأسواق، وتمول الخزينة، وتصنع الاستقرار، وتبني المستقبل.

فالدول لا تُبنى بأقلية ثرية وأكثرية مثقلة بالأعباء، بل بطبقة وسطى قوية، قادرة على العمل والإنتاج والإنفاق والاستثمار.

فالطبقة الوسطى ليست مجرد فئة اجتماعية…

إنها قلب الوطن، وإذا أُنهك القلب، فلن يبقى الجسد قويًا مهما بدا متماسكًا.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions