اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

زياد العليمي يكتب : ذهبها ونفقتها وكتابها.. حين تصبح الخطوبة معركة حسابات لا ود ولا شرع

زياد العليمي يكتب : ذهبها ونفقتها وكتابها.. حين تصبح الخطوبة معركة حسابات لا ود ولا شرع
نبأ الأردن -
تلك القضية التي تثير الجدل وتشغل الرأي العام وتقسم الناس بين مؤيد ومعارض حين تعلن فتاة فسخ خطوبتها بعد كتابة عقد النكاح وتطالب بكل ما قدمه العريس من ذهب وكسوة ومؤخر صداق ونفقة عدة وكأنها تخرج من حرب لا من علاقة كانت تسمى حبا وارتباطا وهنا يبرز السؤال الأهم هل أصبح عقد الزواج مجرد ورقة للاستثمار العاطفي أم أن هناك خللا في فهم طبيعة العلاقة الزوجية التي تقوم على المودة والرحمة لا على الحسابات البنكية وقوائم الجرد

في مجتمعنا العربي نجد أنفسنا أمام إشكالية معقدة تتداخل فيها العادات والتقاليد مع النصوص الشرعية والقوانين الوضعية مما يخلق حالة من الفوضى القانونية والأخلاقية حيث تستغل بعض الفتيات ثغرات في النظام ليحصلن على مكاسب مادية طائلة من علاقة لم تكتمل وكأن الخطوبة عقد تجاري يمكن فسخه مع التعويضات والغرامات بينما يرى الطرف الآخر أنه دفع كل ما يملك من أموال وذهب وكسوة مقابل بناء حياة وأسرة فإذا بالحياة تنهار والأسرة تتبخر ويبقى الذهب والفضة شاهدا على نوايا كانت مخبأة خلف نقاب البراءة والحب

ومن هنا يأتي دور الإعلام في تسليط الضوء على هذه الظاهرة بكل تجرد وموضوعية بعيدا عن التبسيط أو التهويل فالواقع أن هناك حالات تستحق فيها الفتاة كل الحقوق الشرعية خاصة إذا كان الفسخ نتيجة تعسف من العريس أو إخلال بالوعود أو اكتشاف أمر لا يطاق في شخصيته أو سلوكه ولكن المشكلة تكمن في الحالات التي تكون فيها النية من البداية هي الحصول على أكبر قدر من المال ثم الانسحاب بذريعة واهية أو خلاف بسيط يمكن تداركه بالحكمة والتفاهم وهنا نجد أنفسنا أمام استغلال سافر للنصوص الدينية والقوانين المدنية التي وضعت لحماية المرأة لا لتصبح سلاحا بيدها لتدمير رجل ربما كان صادقا في مشاعره ومخلصا في نواياه

إن المتأمل في هذه القضايا يجد أنها ليست مجرد نزاعات فردية بين عائلتين بل هي انعكاس لحالة أوسع من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها مجتمعاتنا حيث تحولت الزيجات إلى صفقات والعلاقات إلى عقود والمشاعر إلى أرقام في ميزان المكاسب والخسائر وهذا يتطلب وقفة جادة من المشرعين والقضاة والأئمة والمربين لوضع ضوابط واضحة تحفظ الحقوق للجميع وتجعل فسخ الخطوبة حالة استثنائية محكومة بضوابط صارمة لا حالة اعتيادية تصبح فيها الفتيات محترفات في الحصول على المهور والذهب ثم الانسحاب وكأن الأمر مجرد عملية حسابية باردة لا علاقة لها بالمشاعر الإنسانية أو القيم الأخلاقية

ولا يمكننا هنا أن نغفل دور الأسرة والمجتمع في تهيئة الأبناء والبنات لفهم أعمق للزواج كعلاقة مقدسة قائمة على التعاون والتضحية والتفاهم وليس كصفقة تجارية يمكن فسخها بأقل الأضرار المادية فكثير من الآباء والأمهات يغفلون عن تعليم بناتهم أن الذهب والكسوة ليست هي الغاية من الزواج بل هي مجرد وسائل مادية تعين على بداية الحياة ولا ينبغي أن تكون محط الصراع والنزاع عند أي خلاف عابر فالثقافة الاستهلاكية التي تغلغلت في مجتمعاتنا جعلت من المناسبات الاجتماعية سوقا مفتوحا للمباهاة والاستعراض مما أدى إلى تضخم المهور والمطالب المادية إلى درجات خيالية أصبحت معها فكرة الزواج مجرد رقم في حساب بنكي أو قائمة من المتطلبات التي يشترطها ولي الأمر قبل أن يسأل عن دين الرجل وأخلاقه وقدرته على بناء أسرة مستقرة وسعيدة

إن هذا المشهد المأساوي الذي يتكرر في محاكم الأسرة وقنوات التواصل الاجتماعي يطرح سؤالا وجوديا حول مستقبل مؤسسة الزواج في عالمنا العربي والإسلامي الذي كان ينظر للزواج كخطوة مقدسة لا يمكن العبث بها ولكن مع تزايد حالات الفسخ والخلع والطلاق المبكر نجد أنفسنا أمام أزمة حقيقية في القيم والمفاهيم التي نحتاج إلى إعادة النظر فيها بعقلية متزنة تجمع بين ثوابت الدين ومتغيرات العصر دون الإفراط أو التفريط أو الانحياز لأي طرف على حساب الآخر فالعدل هو الأساس الذي يجب أن يقوم عليه أي نظام قانوني أو أخلاقي يحكم العلاقات الزوجية وفسخها في آن واحد

ولعل ما يزيد الأمر تعقيدا هو تداخل الأدوار بين القضاء الشرعي والقانون الوضعي والعرف الاجتماعي مما يخلق نوعا من التشويش القانوني الذي يستغله البعض لتحقيق مكاسب شخصية على حساب الاستقرار الأسري والمجتمعي فهناك من يلجأ إلى القضاء الشرعي للحصول على أحكام تختلف عن تلك التي قد يحصل عليها عبر المحاكم المدنية أو عبر العرف القبلي والعائلي وهذه الفوضى التشريعية تخلق بيئة خصبة للانتهازيين الذين يرون في فسخ الخطوبة فرصة ذهبية لتحقيق ثراء سريع دون أدنى اعتبار للمشاعر الإنسانية أو التداعيات النفسية التي قد تطارد الطرفين وخاصة الرجل الذي قد يفقد ثقته في النساء تماما بعد أن يصبح مجرد ضحية في لعبة الحسابات البنكية والمجوهرات الثمينة والنفقات الباهظة التي أنفقها على أمل بناء مستقبل مشترك فإذا به يجد نفسه وحيدا أمام محكمة تطلب منه المزيد والمزيد وكأنه المتسبب في كل هذا الفشل العاطفي والقانوني

من هنا تبرز ضرورة إعادة النظر في مفهوم الخطوبة ذاتها كمرحلة انتقالية بين الوعد بالزواج وعقده الفعلي ينبغي أن تخضع لضوابط أخلاقية وقانونية تحمي الطرفين وتجعل فسخها عملية منضبطة لا تترك مجالا للابتزاز العاطفي أو المادي مع ضرورة توعية المجتمع بأكمله خاصة فئة الشباب والفتيات بأن الزواج ليس مجرد علاقة عابرة يمكن الدخول فيها والخروج منها كما نخرج من متجر لشراء السلع والملابس وإنما هي مؤسسة اجتماعية مقدسة تقوم على الثقة المتبادلة والإخلاص والوفاء وهذه القيم لا يمكن شراؤها بالذهب ولا بيعها بالفضة ولا التفريط فيها مقابل أي مكسب مادي زائل

وفي النهاية لا بد أن ندرك أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب جهدا جماعيا يشمل الإعلام والقضاء والأسرة والمدرسة والمسجد في حملة توعوية شاملة تصحح المفاهيم الخاطئة وتبرز النماذج الإيجابية للزواج الناجح وتسلط الضوء على العواقب الوخيمة التي تنتظر من يحاول العبث بمشاعر الآخرين واستغلال النصوص الشرعية والقانونية لتحقيق مكاسب شخصية على حساب استقرار المجتمع وتماسكه فالزواج ليس مجرد عقد بين رجل وامرأة بل هو عقد اجتماعي أوسع يرتبط بمصير أجيال قادمة ومستقبل أمة بأكملها تحتاج إلى الرجال والنساء المتعاونين المتآلفين الذين يبنون بيوتهم على أساس المودة والرحمة لا على أساس الذهب والفضة والنفقات والكسوات التي سرعان ما تتلاشى قيمتها أمام قيم الحب والاحترام والتفاهم التي هي الأساس الحقيقي لأي علاقة زوجية ناجحة ومستقرة

تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions