اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

م. صلاح طه عبيدات يكتب: عندما يصبح الفساد جزءا من ذاكرة وطن

م. صلاح طه عبيدات يكتب: عندما يصبح الفساد جزءا من ذاكرة وطن
نبأ الأردن -
لا يولد الفساد من جيب موظف صغير، ولا من توقيع مسؤول منفرد، ولا من حقيبة أموال تعبر الحدود في الظلام. الفساد يولد أولًا في العقل الإداري، عندما تُستبدل الكفاءة بالولاء، والقانون بالمزاج، والرقابة بالمجاملة، والحوكمة بثقافة "دع الأمور تسير".
ومنذ عام 2000، والأردنيون يتنقلون من ملف إلى آخر؛ الكازينو، والفوسفات، و"موارد"، و"سكن كريم لعيش كريم"، ثم قضية مصنع الدخان، وملفات العطاءات، والبلديات، والضرائب، والجمارك، وغيرها من القضايا التي شغلت الرأي العام بدرجات متفاوتة. بعض هذه القضايا انتهى بأحكام قضائية، وبعضها انتهى دون إدانة، وبعضها ما زال في مساره القضائي. لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن كثرة هذه الملفات تفرض سؤالًا أكبر من أي قضية منفردة: لماذا تتكرر الثغرات؟
إن الدولة التي تتباهى بعدد الملفات التي كشفتها، بينما تتكرر أنماط الخلل نفسها، تشبه رجل إطفاء يفاخر بعدد الحرائق التي أخمدها، دون أن يسأل: من الذي ترك أعواد الثقاب في كل زاوية؟
لقد قدم ديوان المحاسبة، عبر تقاريره السنوية، آلاف الملاحظات الرقابية، وكشف مخالفات مالية وإدارية في مؤسسات مختلفة، وأحال عددًا منها إلى الجهات المختصة عند الاشتباه بوجود اعتداء على المال العام. كما اضطلعت هيئة النزاهة ومكافحة الفساد بدورها في التحقيق والإحالة إلى القضاء عندما توافرت الشبهات أو الأدلة وفق القانون. وهذه أدوار أساسية لا غنى عنها، لكنها تمثل في كثير من الأحيان رقابة لاحقة تأتي بعد وقوع الخلل، لا منظومة تمنع وقوعه ابتداءً.
وهنا تكمن المعضلة الفلسفية للدولة الحديثة: هل وظيفة المؤسسات أن تطارد الفساد، أم أن تمنع البيئة التي تسمح له بالنشوء؟
إن العدالة تعاقب، أما الحوكمة فتمنع. والفرق بينهما هو الفرق بين طبيب يجري عملية جراحية ناجحة، وطبيب آخر نجح في ألا يحتاج مريضه إلى الجراحة أصلًا.
وتشير مؤشرات منظمة الشفافية الدولية إلى أن الأردن يقع في منتصف الترتيب العالمي تقريبًا في مؤشر مدركات الفساد، مع نتائج أفضل من بعض الدول وأسوأ من أخرى، لكنه ما يزال بعيدًا عن الدول التي نجحت في بناء منظومات متقدمة للنزاهة والشفافية. وهذا يعني أن المشكلة ليست انهيارًا مؤسسيًا، لكنها أيضًا ليست إنجازًا يدعو إلى الاطمئنان. إنها منطقة رمادية تستوجب إصلاحًا عميقًا لا الاكتفاء بتحسين الأرقام.
والفساد في الأردن، حين يظهر، لا يكون دائمًا نتيجة ضعف النصوص القانونية؛ فالتشريعات موجودة، والعقوبات قائمة، والأجهزة الرقابية تعمل. إنما تكمن جذور المشكلة في عوامل تتكرر في كثير من التقارير والخبرات الإدارية: ضعف الحوكمة في بعض المؤسسات، قصور إدارة المخاطر، تضارب المصالح عند غياب الإفصاح والرقابة الكافية، البيروقراطية التي تفتح منافذ للاستثناءات، والتأخر في التحول الرقمي الشامل الذي يقلل التدخل البشري ويرفع مستوى الشفافية.
ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإضافة مؤسسة رقابية جديدة، ولا بإصدار قانون آخر فحسب، بل بإعادة هندسة الإدارة العامة على أسس واضحة:
حوكمة مؤسسية ملزمة.
رقابة وقائية تعتمد على إدارة المخاطر.
رقمنة شاملة للإجراءات الحكومية.
شفافية أوسع في العطاءات والإنفاق العام.
حماية فعالة للمبلغين.
ربط التعيين والترقية بالكفاءة والإنجاز.
مساءلة سريعة وعادلة دون انتقائية.
فالفساد ليس مجرد جريمة مالية، بل هو استنزاف للثقة الوطنية. وحين يفقد المواطن ثقته بأن المال العام يُدار بأعلى درجات النزاهة، تصبح كلفة استعادة تلك الثقة أكبر من أي مبلغ يمكن استرداده.
إن معركة الأردن مع الفساد لن تُحسم بكثرة المؤتمرات، ولا بتراكم التقارير، ولا بارتفاع عدد الإحالات وحده، بل عندما تصبح الوقاية المؤسسية أهم من الملاحقة القضائية، وعندما يصبح اكتشاف قضية فساد حدثًا استثنائيًا، لا خبرًا مألوفًا.
فالأوطان لا تنهار لأن فيها فاسدين؛ بل تنهار عندما تعتاد وجودهم، أو عندما تعجز أنظمتها عن سد المنافذ التي تسمح بتكرار الأخطاء.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُكتب على باب كل مؤسسة عامة:
هل نريد أن نربح معركة ضد الفاسدين... أم أن نبني دولة يصعب فيها على الفساد أن يجد طريقًا إليها؟
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions