د.منذر الحوارات يكتب: إيران تنقل الأردن إلى قلب المعركة.. من اختراق الأجواء إلى الاستهداف المباشر
نبأ الأردن -
في بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، بررت طهران سقوط صواريخها ومسيّراتها داخل الأراضي الأردنية، أو اعتراضها في أجواء المملكة، بالقول إن الأردن أسقطها نيابة عن إسرائيل، وإنها لم تكن تستهدف المملكة أصلاً، وتحت هذه الذريعة، عبرت الصواريخ والمسيّرات المجال الجوي الأردني، وتمكنت القوات المسلحة من اعتراض قسم كبير منها، من دون أن تُعامل هذه الانتهاكات بما تستحقه بوصفها اعتداءً على سيادة دولة.
أما اليوم، فقد انتقلت طهران من انتهاك الأجواء الأردنية إلى الإعلان الصريح عن استهداف مواقع أميركية داخل الأردن، بالتزامن مع تهديد منشآت أردنية، وبذلك تولت إيران بنفسها تفنيد روايتها السابقة، ونقلت الأردن من دولة تعترض صواريخ عابرة إلى جبهة أُقحمت عمداً في مسرح الرد على الولايات المتحدة.
ولا يمكن فهم هذا السلوك بمعزل عن تاريخ العلاقة بين البلدين، فالموقف الإيراني السلبي من الأردن ليس وليد الحرب الحالية، بل تعود جذوره إلى الحرب العراقية الإيرانية، حين وقف الأردن إلى جانب العراق، وقدم له دعماً واسعاً، وتحول ميناء العقبة إلى متنفس حيوي للصادرات والواردات العراقية، كما أرسل الأردن متطوعين إلى بغداد، وهو ما ترك ذاكرة سلبية لدى المؤسسات الإيرانية.
أما أردنياً، فقد شكل سقوط بغداد عام 2003 نقطة تحول خطيرة، فلم يكن الأمر مجرد إسقاط نظام، بل زوال حاجز جيوسياسي كان يفصل إيران عن الأردن، فالعراق ظل دولة مركزية وعمقاً عربياً يمنع وصول النفوذ الإيراني المباشر إلى الحدود الأردنية، وبعد الاحتلال، صعدت قوى ومليشيات مرتبطة بطهران، واتسع نفوذها إقليمياً، وهكذا أسقط الغزو الأميركي الحاجز الذي كان يمنع إيران من الوصول إلى تخوم الأردن، وجعلها جاراً غير مباشر يهدد أمنه.
كما تحتفظ الذاكرة الإيرانية بتحذيرات الملك عبدالله الثاني عام 2004 من تشكل «الهلال الشيعي» الممتد من إيران عبر العراق وسورية إلى لبنان، ولم يكن ذلك تحريضاً ضد الشيعة، بل إنذاراً مبكراً من محور سياسي وعسكري يوظف الجماعات العقائدية المسلحة لاختراق سيادة الدول العربية وبناء نفوذ عابر للحدود.
ومع اندلاع الحرب السورية، ووصول الحرس الثوري وحزب الله والمليشيات العراقية إلى الجنوب السوري، وجد الأردن نفسه بين منطقتي نفوذ مرتبطتين بإيران: العراق شرقاً وسورية شمالاً، ومنذ ذلك الوقت، خاض حرباً هجينة اختلطت فيها الأسلحة والمخدرات والطائرات المسيّرة وشبكات التهريب والحملات الإعلامية ومحاولات استغلال أي توتر داخلي، وتحولت الحدود إلى ساحة استنزاف للجيش والأجهزة الأمنية، لكن الدولة نجحت في منع تحويلها إلى بوابة لاختراق الداخل.
وفي ظل هذه البيئة الإقليمية، يصبح تحالف الأردن مع الولايات المتحدة، أو مع أي قوة دولية كبرى، مفهوماً، فالأردن دولة محدودة الموارد، تقع في إقليم ملتهب، وواجهت تهديدات تتجاوز إمكاناتها الذاتية، لذلك عوض محدودية موارده ببناء جيش وأجهزة أمنية موثوقة، ودبلوماسية أقامت تحالفات توفر الردع والمعلومات والتكنولوجيا والدعم الاقتصادي.
صحيح أن الأردن لم يختر جغرافيته، لكنه اختار طريقة إدارة أخطارها، كما أن التعاون العسكري الأردني الأميركي سبق الثورة الإيرانية، ولم ينشأ لمحاصرة طهران، لكن تمدد المليشيات الإيرانية وصعود الإرهاب بعد انهيار العراق وسورية جعله أكثر عمقاً وإلحاحاً.
ومن هنا تسقط ذريعة استهداف الأردن بسبب وجود قوات أميركية على أراضيه، فكما يحق لإيران اختيار تحالفاتها، يحق للأردن إقامة ما يراه مناسباً من شراكات دفاعية، وليس من حق طهران اعتبار القرار السيادي الأردني مبرراً للاعتداء، فالصاروخ أو المسيّرة التي تدخل الأجواء الأردنية وتعرّض المدن والمطارات والسكان للخطر لا تبقى شأناً أميركياً إيرانياً، بل تصبح اعتداءً على السيادة الأردنية، بصرف النظر عن اسم الهدف المعلن.
ولم يتوقف السلوك الإيراني عند الضغط العسكري، بل حاول استثمار القضية الفلسطينية لإحداث انقسام داخل المجتمع الأردني، وقد ظهرت أصوات محدودة تبنت جزءاً من الرواية الإيرانية، لكن هذا الخطاب بقي هامشياً، فالغالبية العظمى من الأردنيين لم تجد تناقضاً بين دعم فلسطين وحماية دولتهم، وأدركت أن إضعاف الأردن لن يخدم الفلسطينيين.
لقد دفع الأردن كلفة النفوذ الإيراني حتى وهو ليس طرفاً في الحرب، دفع عن حدوده سلاحاً ومخدرات، وفي البحر ارتفاعاً في كلفة الشحن والتأمين، وفي الجو صواريخ ومسيّرات، وفي الداخل حملات تضليل ومحاولات لإثارة الانقسام.
وفي النهاية، فإنه من حق إيران أن تدافع عن أراضيها، لكن هذا الحق يتوقف عند سيادة الآخرين، فالأردن ليس امتداداً للولايات المتحدة، ولا ممراً مباحاً للصواريخ الإيرانية، ولا ساحة احتياطية تفرغ فيها طهران عجزها عن مواجهة خصومها مباشرة.
وما كشفته الضربات الأخيرة أن تحالفات الأردن لم تجلب الخطر له، بل إن الخطر المتراكم من إسرائيل والعراق إلى سورية، ومن المليشيات إلى الصواريخ والمسيّرات والمخدرات، هو ما يفسر حاجته إلى هذه التحالفات، أرادت إيران جعل الوجود الأميركي مبرراً لاستهداف المملكة، لكن التاريخ يقدم نتيجة معاكسة: تمدد إيران ووكلائها، إلى جانب الإرهاب وانهيار الدول المحيطة، هو الذي جعل بناء شبكة حماية إقليمية ودولية ضرورة أردنية، لا ترفاً سياسياً ولا تنازلاً عن السيادة.

























