م. فوزي مسعد يكتب: نحو اعادة بناء منظومة الحكم المحلي في الأردن
نبأ الأردن -
رغم ما تضمنه مشروع قانون الادارة المحلية لسنة 2026 من اضافات تتعلق بالحوكمة والتخطيط والاستثمار والمشاركة المجتمعية، فانه لا يمثل في بنيته العامة تحولا جذريا عن القانون الساري، بل يبقي الهيكل الرئيسي كما هو: مجلس بلدي وجهاز تنفيذي على مستوى البلدية، ومجلس محافظة ومجلس تنفيذي على مستوى المحافظة، مع استمرار الدور الواسع لوزارة الادارة المحلية ومجلس الوزراء.
وكان من المفترض ان يشكل المشروع، بعد سنوات من تطبيق القانون الحالي، فرصة لاعادة بناء منظومة الحكم المحلي على اسس جديدة، في ضوء ما كشفته التجربة من ضعف قدرة البلديات ومجالس المحافظات على مواكبة التطورات في ادارة المدن، والتحول الرقمي، والتنمية الاقتصادية المحلية، والاستدامة، والتغير المناخي، والنقل، والنفايات والبنية التحتية الحديث.
لكن المشروع يبدو اقرب الى تطوير بعض الاجراءات داخل الهيكل القائم، لا الى اعادة النظر في فلسفة الحكم المحلي وتركيبته. ولا يمكن معالجة واقع البلديات بمجرد استحداث لجان جديدة، او اعادة توزيع بعض المهام، او تغيير المسميات. المطلوب تغييرات جريئة يمكن من خلالها تلمس تحول حقيقي في تركيبة الحكم المحلي، وفي الفكر الذي يحكم العلاقة بين البلدية والمواطن والحكومة.
احد ابرز اوجه الخلل في المشروع يتعلق بالبعد الديمقراطي. فمجلس المحافظة، الذي يتولى اقرار خطة المحافظة ودليل احتياجاتها واولويات مشاريعها ومشروع موازنتها، لا ينتخب اعضاؤه انتخابا مباشرا من سكان المحافظة. يتكون المجلس من رؤساء بلديات، وممثلين عن النقابات والغرف التجارية واتحاد المزارعين والاتحادات النسائية والجمعيات الخيرية والمؤسسات الشبابية، اضافة الى اعضاء يدخلون بحكم مواقعهم او بالتسمية والتعيين. ورغم ان بعض اعضائه منتخبون في مؤسسات اخرى، فان المواطنين لم ينتخبوهم لتمثيل المحافظة في مجلس اقليمي، بل لادارة بلدياتهم او مؤسساتهم. ولذلك لا تحصل غالبية اعضاء المجلس على تفويض انتخابي مباشر لعضوية مجلس المحافظة. وبذلك تمنح سلطة تقريرية لمجلس لا يستطيع المواطن اختيار اعضائه او محاسبتهم مباشرة من خلال انتخابات خاصة بالمحافظة.
اما المجلس التنفيذي، الذي يتولى الدور الفعلي في اعداد الخطط ودليل الاحتياجات والموازنة، فيتشكل من المحافظ ونائبه والمتصرفين ومديري المديريات والادارات الحكومية. وهؤلاء مسؤولون معينون يمثلون الحكومة والوزارات، وليسوا ممثلين منتخبين عن سكان المحافظة. وبذلك تبدأ صناعة الاولويات داخل مجلس تنفيذي معين، ثم تحال الى مجلس محافظة غير منتخب مباشرة لاقرارها.
هذه الصيغة لا تلبي متطلبات التحديث السياسي والديمقراطية المحلية. فمن يقرر اولويات المحافظة وموازنتها يجب ان يمتلك تفويضا شعبيا مباشرا، وان يكون مسؤولا امام الناخبين عن قراراته ونتائجها.
يشير بعض المتابعون لمجالس المحافظات انها ساهمت في تنفيذ مشاريع مهمة في قطاعات الطرق والتعليم والصحة والمياه. ولا خلاف على اهمية هذه المشاريع، لكن وجودها خلال فترة اللامركزية لا يعني انها نفذت بفضل مجالس المحافظات، او انها كانت ستتوقف في غيابها.
فهذه المشاريع كانت تنفذ قبل تطبيق اللامركزية، وما زالت تمول من الموازنة العامة، وتعد دراساتها وتطرح عطاءاتها وتنفذها الوزارات والمؤسسات الحكومية. ولم تنقل اللامركزية الاموال او الاجهزة الفنية او سلطات التعاقد والتنفيذ الى مجالس المحافظات.
ويؤكد مشروع القانون نفسه ان المجلس التنفيذي يتابع ويراقب تنفيذ الجهات المختصة لمشاريع المحافظة المدرجة في الموازنة العامة، ويعد تقارير سير العمل، بينما يتابع مجلس المحافظة هذه التقارير ويرفع التوصيات الى الجهات المعنية. وهذا يعني ان التنفيذ الفعلي يبقى لدى الوزارات والمديريات الحكومية، وان دور مجلس المحافظة ينحصر في تحديد الاولويات والاقرار والمتابعة، لا في التمويل او طرح العطاءات او التنفيذ المباشر.
وقد يكون لبعض المجالس دور في لفت الانتباه الى حاجة منطقة معينة او رفع اولوية مشروع، لكن هذا الدور كان يمكن القيام به من خلال المحافظ والمديريات الحكومية، وبالتشاور المنظم مع رؤساء البلديات والمجتمع المحلي، من دون انشاء مستوى اضافي من الحكم.
لا تستطيع اي جهة ممارسة صلاحيات حقيقية ما لم تمتلك الموارد والجهاز التنفيذي والسلطة القانونية اللازمة. ومجلس المحافظة لا يملك مديريات تتبع له، ولا موارد مالية ذاتية، ولا صلاحية فرض الضرائب او طرح عطاءات المشاريع الحكومية، ولا يستطيع الزام الوزارات بمواعيد التنفيذ.
كما يخصص مشروع القانون لمجلس المحافظة نسبة 1% من مخصصات المحافظة المرصودة في الموازنة العامة، لتغطية نفقاته الجارية اللازمة لاستمرار عمله، وليس لتمويل مشاريع تنموية ينفذها المجلس بصورة مستقلة.
وهنا تظهر المفارقة: مجلس المحافظة يناقش الاولويات ويقر المشاريع، لكنه لا يمتلك موارد الحكومة او اجهزتها التنفيذية. فهو يقر ما لا يموله، ويتابع ما لا ينفذه، ثم يتحمل امام المواطنين جزءا من المسؤولية عن امور لا يملك السيطرة الكاملة عليها.
وعندما يتأخر مشروع، يقول مجلس المحافظة انه اقره، ويقول المجلس التنفيذي انه تابعه، وتقول الوزارة ان التمويل لم يتوافر او ان الاجراءات لم تكتمل. وفي النهاية تتوزع المسؤولية بين عدة جهات، ولا يعرف المواطن من يحاسب.
يفترض ان تبقى المشاريع التي تقرها البلدية وتمولها من موازنتها ومواردها الذاتية ضمن صلاحية المجلس البلدي وجهاز البلدية. اما مجلس المحافظة والمجلس التنفيذي، فيفترض ان يتركز دورهما في المشاريع الحكومية الممولة من الموازنة العامة، والمشاريع المشتركة التي تتجاوز حدود بلدية واحدة.
لكن مشروع القانون لا يرسم هذه الحدود بصورة حاسمة. فهو يكلف المجلس التنفيذي بمواءمة خطة المحافظة مع الخطط التي اقرتها البلديات، واعداد دليل الاحتياجات استنادا الى المشاريع الواردة منها. ومن دون نص صريح يؤكد ان هذه العملية للتنسيق وتبادل المعلومات فقط، قد تتحول المواءمة في التطبيق الى تدخل في اولويات البلديات او اضافة مرحلة جديدة من الموافقات والاحالات.
وفي الوقت نفسه، تحتفظ الوزارة بصلاحيات واسعة في المصادقة والتفتيش والاطلاع على القرارات والمعاملات، كما يحتفظ مجلس الوزراء بصلاحية حل المجالس وتعيين لجان مؤقتة وضم وتعديل حدود البلديات. وهكذا تنتج الصيغة المقترحة نظاما هجينا يجمع بين تعدد المجالس المحلية واستمرار الوصاية المركزية، فلا هو لامركزية حقيقية ولا هو مركزية واضحة.
من الضروري الاستفادة من التجارب الناجحة في حال تطبيق اللامركزية فمثلا تبين التجربة السويدية ان نجاح الحكم المحلي لا يقوم على كثرة المجالس، بل على وضوح الاختصاص وربط القرار بالموارد والمساءلة. فالبلديات والمجالس الاقليمية هناك منتخبة مباشرة، وتمتلك اختصاصات وموارد فعلية تمكنها من تنفيذ قراراتها وتحمل المسؤولية عنها.
كما يفصل النظام السويدي بوضوح بين المجلس الاقليمي المنتخب الذي يمثل السكان، والجهاز الاداري في المقاطعة الذي يمثل الحكومة المركزية وينسق اعمالها. فلا تختلط مسؤولية المجلس المنتخب بمسؤولية الجهاز الحكومي، ولا توجد جهة تقر مشاريع من دون ان تمتلك قرارها وتمويلها وتنفيذها.
الاردن لا يحتاج الى استنساخ التجربة السويدية، لكنه يحتاج الى تبني مبادئ ناجحة في وضوح المسؤولية، والديمقراطية المباشرة، والقدرة على التنفيذ.
في ضوء التجربة السابقة والبنية المقترحة، يبدو الخيار الاكثر جدية هو الغاء نموذج اللامركزية القائم على مجالس المحافظات بصيغته الحالية والمقترحة، لانه لم يثبت انه اضاف قدرة تنفيذية جديدة، ولا يملك الموارد اللازمة، ولا يوفر تمثيلا ديمقراطيا مباشرا.
ويجب بدلا من ذلك تقوية البلديات المنتخبة، وتحويل ومنحها صلاحيات وموارد حقيقية لادارة الخدمات والمشاريع المحلية، مع تطوير اجهزتها الفنية والمالية والرقمية وربط ادائها بمؤشرات معلنة يستطيع المواطن متابعتها.
اما المشاريع الوطنية والاقليمية الكبرى، مثل المستشفيات والمدارس والطرق وشبكات المياه، فيجب ان تبقى مسؤولية واضحة للحكومة ووزاراتها، لانها هي التي تمولها وتنفذها. ويكون المحافظ والمجلس التنفيذي مسؤولين عن التنسيق الحكومي في المحافظة، مع التشاور المعلن والملزم مع رؤساء البلديات والمجتمعات المحلية.
كما يمكن تنفيذ المشاريع التي تتجاوز حدود بلدية واحدة من خلال تحالفات البلديات ومجالس الخدمات المشتركة، وتوزيع المخصصات الحكومية وفقا لمعادلة موضوعية تراعي عدد السكان ومستويات الفقر والبطالة والعجز في الخدمات والحاجة التنموية.
المطلوب ليس تعديل بعض المواد مع الابقاء على الفكر والهيكل نفسيهما، بل اعادة بناء منظومة الحكم المحلي على قاعدة واضحة: مجلس منتخب يقرر ضمن اختصاصه، وجهاز مهني ينفذ، وموارد كافية، ومواطن يعرف من يحاسب. ومن دون هذا التغيير الجذري، سيبقى القانون الجديد تعديلا محدودا على نظام اثبتت التجربة محدودية قدرته على تطوير البلديات وتحسين الخدمات.

























