اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

م. صلاح طه عبيدات يكتب: مقبرة الأفكار... ومجلس إدارة التابوت

م. صلاح طه عبيدات يكتب: مقبرة الأفكار... ومجلس إدارة التابوت
نبأ الأردن -
لا تحتاج بعض المؤسسات إلى خطة إنقاذ، بل إلى شهادة وفاة.
فهي لم تعد تنتج قيمة، ولا تصنع مستقبلاً، ولا تحرك عجلة التنمية، وإنما تمارس طقوس البقاء البيولوجي ككائن هرِم يرفض الاعتراف بأنه مات منذ سنوات. إنها مؤسسات تتنفس بالأكسجين الاصطناعي، وتتحرك بأجهزة الإنعاش البيروقراطي، بينما يصر مجلس إدارتها على إعلان أن المؤشرات "مطمئنة"، وأن كل شيء يسير وفق الخطة، وأن الاستقرار هو الإنجاز الأعظم.
أي استقرار هذا؟
إنه استقرار المقابر... حيث لا أحد يختلف، ولا أحد يبدع، ولا أحد يزعج أحداً.
لقد تحولت الإدارة في كثير من مؤسساتنا إلى علمٍ لإدارة الخوف، لا لإدارة المستقبل. فالقرار لا يُقاس بجرأته، بل بمدى ضمانه لسلامة الكرسي. أما الكفاءة، فقد أصبحت صفة ثانوية، لأن المعيار الحقيقي هو الطاعة، ثم الطاعة، ثم الطاعة.
وهكذا يُكافأ من لا يفعل شيئاً، لأنه لم يرتكب خطأ، بينما يُحاكم صاحب المبادرة لأنه كسر رتابة المشهد وأربك حراس العجز.
إنها جمهورية "لا تفعل... تنجُ".
أما اللجان، فهي ليست أدوات عمل، بل مصانع متخصصة في تحنيط الأفكار. تدخل إليها الفكرة نابضة بالحياة، فتخرج منها بعد أشهر ملفاً بارداً بلا روح، وقد أُفرغت من كل عناصر الدهشة، حتى يغدو موتها إجراءً إدارياً مكتمل الأركان.
وفي أروقة هذه المؤسسات، لا يُنظر إلى المبدع باعتباره فرصة، بل باعتباره مشكلة يجب احتواؤها. فالعقول الكبيرة تزعج الأقزام، والأسئلة العميقة تفضح السطحية، والإنجاز الحقيقي يكشف هشاشة الإنجازات الورقية.
لهذا تُشن الحروب على أصحاب الأفكار، لا لأن أفكارهم خاطئة، بل لأنها صحيحة أكثر مما ينبغي.
ثم يأتي السؤال المقدس، الذي يشبه فتوى تحرم المستقبل:
"هل لدينا سابقة إدارية؟"
وكأن التاريخ كتب آخر فصوله، وكأن الابتكار يحتاج إلى إذن من الأرشيف، وكأن العقل لا يحق له أن يفكر إلا إذا سبقه ملف أصفر مغبر يحمل رقماً قديماً وخاتماً باهتاً.
إنها فلسفة العبيد... لا فلسفة القادة.
ومن هنا تبدأ الكارثة الحقيقية.
فالموظف الذكي يتعلم بسرعة أن النجاة أهم من الإبداع، وأن الصمت أكثر ربحاً من التفكير، وأن الانحناء للعاصفة يضمن الراتب والترقية والسلامة. شيئاً فشيئاً، يتحول الإنسان إلى آلة تنفذ ولا تناقش، وتوقع ولا تفكر، وتحضر الاجتماعات كما يحضر المصلون طقوساً لا يؤمنون بها.
وهكذا تولد أخطر سلالة إدارية عرفها التاريخ: الموظف الميت وهو على رأس عمله.
أما مجالس الإدارة، فكثير منها لم يعد يقود السفينة، بل يجلس فوق سطحها يعد الثقوب، ثم يشكل لجنة لدراسة أسباب الغرق، ويصدر بياناً يؤكد أن المياه دخلت السفينة وفق الإجراءات المعتمدة.
أي عبثٍ هذا؟
إن المؤسسة التي تخاف من فكرة، ستنهزم أمام أزمة. والمؤسسة التي تحارب أصحاب الكفاءة، ستصبح يوماً رهينة للجهل. والمؤسسة التي ترفع شعارات الابتكار في المؤتمرات، وتمارس اغتياله في المكاتب، إنما تمارس أكبر عملية تزوير أخلاقي في تاريخ الإدارة.
التاريخ لا يرحم الكسالى، ولا يخلد المحافظين على الركود، ولا يكتب أسماء الذين اكتفوا بحراسة الماضي.
إنه يحتفي فقط بمن امتلكوا شجاعة هدم الأصنام الإدارية، وكسر الأقفاص البيروقراطية، وإطلاق العقل من سجنه.
أما أولئك الذين جلسوا فوق توابيت المؤسسات، يتبادلون التهاني على استقرارها، ويصفقون لبعضهم بعضاً، بينما كانت رائحة التعفن تتصاعد من تحت أقدامهم... فلن يذكرهم التاريخ إلا بوصفهم آخر أعضاء مجلس إدارة التابوت.
فالكيانات لا تموت حين تعجز عن الحركة...
إنها تموت يوم تعلن الحرب على الفكرة، وتعتبر المبدع خطراً، والروتين فضيلة، والخوف سياسة، والجمود إنجازاً.
وعندها، لا يبقى من المؤسسة سوى مبنى جميل... ولوحة أنيقة... وأرشيف ثقيل...
أما المستقبل، فيمر بجوارها... دون أن يلتفت.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions