د علي الطراونة يكتب: الأردن… وطنٌ لا تُنصفه أبواق الحقد ولا تُسقطه مؤامرات المتربصين
نبأ الأردن -
هناك أوطانٌ تُقاس مساحتها بالكيلومترات، وهناك أوطانٌ تُقاس بمواقفها. والأردن من الصنف الثاني؛ وطنٌ صغير في الجغرافيا، كبير في التاريخ، عظيم في المواقف، عصيٌّ على الانحناء، لم يساوم على كرامته، ولم يبع ثوابته، ولم يجعل من قضايا الأمة سلعةً في سوق المزايدات.
ولأن الأردن بقي واقفاً حيث سقط كثيرون، أصبح هدفاً دائماً لكل حاقد، ومقصداً لكل صاحب مشروع مشبوه، وأصبحت سهام التشويه تتقاطع عليه من الخارج، ويؤسفنا أن تجد لها أبواقاً في الداخل، ممن باعوا عقولهم للأوهام، واستبدلوا الانتماء للوطن بالولاء للمحاور.
أيُّ عقلٍ يقبل أن يُبرَّر الاعتداء على أرض الأردن وسيادته بحجة وجود قواعد أمريكية؟ وأيُّ منطقٍ هذا الذي يجعل الضحية متهمة، والمعتدي بطلاً؟ وهل أصبحت سيادة الدول تُستباح لأن بعضهم قرر أن يوزع صكوك البراءة على من يشاء؟
إذا كان الهدف – كما يزعمون – هو المصالح الأمريكية، فلماذا لم تُستهدف المواقع التي يروجون بأنها تخدم تلك المصالح؟ ولماذا كانت العقبة الأردنية هي التي دفعت الثمن؟ أليس مطار رامون، الذي لا يبعد سوى نحو خمسةٍ وعشرين كيلومتراً عن العقبة، منشأةً معروفةً بأهميتها اللوجستية والعسكرية؟ فلماذا لم يكن هو الهدف؟!
إن السؤال وحده كفيلٌ بإسقاط الرواية، وكشف زيف الدعاية، وفضح أولئك الذين يحاولون إقناع الناس بأن الاعتداء على الأردن أمرٌ مشروع، وأن انتهاك سيادته مجرد "أضرار جانبية”. والحقيقة التي لا تقبل الجدل أن الأردن كان المستهدف، وأن كل من برر ذلك العدوان إنما وقف، بقصد أو بغير قصد، في صف المعتدي.
والوطنية ليست أن ترفع الشعارات حين تعجبك، ثم تصمت عندما تُنتهك حدود وطنك. الوطنية موقفٌ لا يتجزأ، ومن يساوم على سيادة الأردن مرة، لن يتردد في المساومة عليها ألف مرة.
أما فلسطين… فهي في الوجدان الأردني ليست قضية موسمية، ولا شعاراً يُرفع عند الحاجة، بل هي عهدٌ راسخ حمل رايته الهاشميون منذ أكثر من قرن، وامتزج بدماء الجيش العربي على أسوار القدس وأبوابها، وحُفظ بالأمانة الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية.
وفي العدوان على غزة، لم يكن الأردن متفرجاً خلف الشاشات، ولم يكتفِ بخطابات الإدانة والاستنكار، بل كان حاضراً بالفعل قبل القول. مستشفيات ميدانية، وإنزالات جوية، وقوافل إغاثة، ومئات الشاحنات المحملة بالغذاء والدواء والوقود والمستلزمات الطبية، ومواقف سياسية ثابتة في كل المحافل الدولية، دفاعاً عن أهلنا في غزة وعن حقهم في الحياة والكرامة.
هذه حقائق لا يستطيع إنكارها إلا جاحد، ولا يتجاهلها إلا من أعماه التعصب، أو من قرر أن يرى بعينٍ واحدة.
ولذلك، كان مستهجناً أن يتجاهل خليل الحية هذا الدور، وهو يوزع عبارات الشكر على مختلف الدول، مستثنياً الأردن. ونقول له: الأردن، قيادةً وحكومةً وشعباً، لا ينتظر من أحد كلمة شكر، ولا يقف على أبواب التنظيمات طلباً للثناء. الأردن يعرف قدر نفسه، ويؤدي واجبه لأنه واجب، لا لأنه يبحث عن تصفيق أو امتنان.
أما أهلنا في غزة، فهم الشهود الحقيقيون، وهم أصدق من كل الخطب، وأعرف بمن وقف معهم ساعة الجوع، ومن حمل إليهم الدواء حين عزّ الدواء، ومن بقي إلى جانبهم عندما انشغل الآخرون بصناعة البطولات أمام الكاميرات.
ومن المؤسف أيضاً أن يواصل عبد الباري عطوان هجومه على الأردن، في خطاب يراه كثيرون بعيداً عن الموضوعية، وكأن هذا البلد أصبح هدفاً دائماً لسهامه. ومن حقنا أن نختلف معه، وأن نقول له إن الإنصاف يقتضي أن تُذكر الحقائق كاملة، لا أن تُقتطع بما يخدم قناعةً مسبقة أو موقفاً سياسياً.
إن الأردن لم يتخلَّ عن عروبته يوماً، ولم يبدل مبادئه بتبدل التحالفات، ولم يرهن قراره لأحد، ولذلك بقي شوكةً في حلق كل من يريد للمنطقة أن تُدار بعقل الميليشيات، أو بمنطق التبعية، أو بمشاريع تصدير الثورات والفوضى.
إن الذين يراهنون على إضعاف الأردن واهمون، والذين يحاولون كسر إرادة شعبه لا يقرأون التاريخ جيداً. فهذا وطنٌ خرج من كل المحن أكثر قوةً، ومن كل الأزمات أكثر تماسكاً، لأنه يستند إلى قيادة حكيمة، وجيش عربي مصطفي عقيدته الشرف، وأجهزة أمنية يقظة، وشعبٍ لا يعرف إلا الانحياز لوطنه.
سيبقى الأردن الرقم الصعب في معادلة الإقليم، مهما ارتفعت أصوات المحرضين، ومهما تضخمت أبواق الكراهية، ومهما أنفقت غرف الدعاية السوداء من أموال. وستبقى رايته خفاقةً، لا تنحني إلا لله، وسيبقى الهاشميون عنوان الحكمة والاعتدال، ويبقى الأردنيون سداً منيعاً في وجه كل من يحاول النيل من وطنهم.
فإلى المتربصين في الداخل والخارج نقول: لن تنجحوا في كسر وطنٍ آمن برسالته، ولا في تشويه دولةٍ كتبت تاريخها بالمواقف لا بالشعارات، ولا في زعزعة شعبٍ يعرف أن الأردن ليس مجرد قطعة أرض، بل هو كرامة وهوية ورسالة.
سيبقى الأردن… قلعةً هاشميةً شامخة، وسيفاً مشرعاً في وجه الفتنة، وحصناً منيعاً للعروبة، ووطناً لا تُنصفه أبواق الحقد، ولا تُسقطه مؤامرات المتربصين.
تحياتي
د علي الطراونة
























