اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د.ماجد الخواجا يكتب: مقبرة موبص حكاية وجع

د.ماجد الخواجا يكتب: مقبرة موبص حكاية وجع
نبأ الأردن -
ليست أول مرّةٍ أشارك فيها جنازة دفن قريب أو صديق في مقبرة موبص، في كلّ مرَّةٍ كنت أتساءل: لماذا هذا الإهمال لحالة المقبرة، ولا أدري إن كان يمكن تعميم ذلك على كثيرٍ من المقابر العامة ومنها مقبرتي صويلح كمثال. توفى أحد أبناء العم الذي قمنا بالصلاة على جنازته في مسجد غزّة، وحملنا الجثمان باتجاه مقبرة موبص، أخذت طريقاً فرعياً من جانب محطة المناصير على شارع عمان إربد الرئيسي. الطريق عبارة عن مصيدة للمركبات من حيث المطبات الفجائية المدببة والمنفذة كيفما اتفق. أما الشوارع فهي في حالةٍ يرثى لها من ضعف بنيتها واهترائها. قبل الوصول إلى المقبرة، كانت هناك مجموعة شوارع تؤدي إليها، لكنها جميعها متآكلة ومتردية، لا توجد شواخص تدلل على موقع المقبرة لغير العارفين بها.
فقط للمعلومة هناك مقبرتان في ذات المكان، إحداهما تدعى بمقبرة عين الباشا، والثانية تدعى مقبرة موبص، مقبرة عين الباشا أوسع وذات فضاء جيد مع أماكن لوقوف المركبات، مع تنظيم معقول نوعاً ما للقبور. لكن مقبرة موبص الملاصقة لها، فهي حكاية تدمي القلب. ولا أدري كيف يتم تصنيف الأموات بين المقبرتين. بحيث يحظى ميت بقبرٍ في مقبرة عين الباشا، أو يعاني بكونه من أعضاء مقبرة موبص.
حين وصلنا إلى مدخل المقبرة بعد معاناة الطرق، واجهنا مشكلة البحث عن مكان للسيارة، الطريق بين المقبرتين ضيق، ما أن دخلنا من مدخل المقبرة حتى داهمنا جبل من التراب المحفور والملقى جانباً، نظرة أولى للمقبرة التي يبدو أنها امتلأت بالموتى، القبور متلاصقة، لا ممرات بينها، لا إمكانية للوصول لأي قبر بسهولة، الأعشاب والأشواك تملأ كل المساحات المحيطة بالقبور، أكوام القمامة وأكواب المياه البلاستيكية تكتظ بها المقبرة، روائح كريهة تصدر من جنبات القبور تدلل على استخدامات بشرية سيئة لقضاء حاجاتهم. الشمس اللاسعة تكوي الجلود والوجوهن لا مظلات ولا أشجار ولا مقاعد يمكن لنا الركون واللجوء إليها هرباً من قيظ تموز ومن الروائح ومن أكوام النفايات ومن الرمال المتناثرة كالجبال.
لا أدري من السبب في كلّ ذلك، بالتأكيد هناك دور لبلدية عين الباشا الكبرى، لكن بتأكيد أكبر أن هناك ثقافة معيبة وسيئة لدينا نحن أهالي وذوي ومعارف الميتين. فأكواب المياه الملقاة هي نتاج ممارساتنا بالأساس. والروائح الكريهة نتاج عدم وجود مرافق عامة يمكن استخدامها. إن المسؤولية تقع على الجميع، لكن المبادرة يجب أن تكون من الجهات المعنية بأن تعتني بالمقبرة وأن تجعلها بيئة صديقة للأموات وذويهم، وأن تضع الإرشادات والتوجيهات متبوعة بالتحذيرات والمخالفات. تماماً كما هو الحال عند استخدام أية مرافق عامة، ينبغي أن يتم التنبيه والتوجيه لذوي المتوفى بضرورة مراعاة كافة أسباب المحافظة على النظافة وحسن الاستخدام، لكن هذا مرتبط بتوفير البنية التحتية الصحيحة والتي أختصرها على النحو الآتي: توفير شوارع مريحة وسليمة، توفير شواخص إرشادية تدل على موقع المقبرة، توفير ممرات بين القبور، توفير ساحة مغطاة من أجل تلقّي التعزية بعد الدفن، توفير مقاعد وأماكن مظللة لغايات الجلوس لكبار السّن أو المرضى، توفير غطاء نباتي حيوي، توفير جماليات مكانية، حملة نظافة شاملة لإزالة القمامة والأعشاب والأشواك. وضع لوحات إرشادية مع تنبيهات لكيفية التعامل مع المقبرة.
ربما يعتبر البعض أن الموضوع ليس بتلك الأولوية والأهمية، لكن الحقيقة أن لدينا ثقافة مشوهة في النظر للمقابر وكيفية التعامل معها. نظرة تتطلب إعادة النظر في كيفية وقف التلوّث البيئي والبصري والمكاني الذي تحدثه المقابر بهيئتها ووضعها القائم البائس. رحم الله امواتنا وأمواتكم.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions