وائل المنسي يكتب:حين تصبح الخبرة عائقًا أمام المستقبل
نبأ الأردن -
لا تنهض الأمم بإنكار تاريخها، كما أنها لا تتقدم بالبقاء أسيرة له.
فلكل جيل دوره، ولكل مرحلة رجالها ونساؤها الذين أدوا رسالتهم في ظروفها وأدواتها وإمكاناتها.
ومن الإنصاف أن نعترف بأن الأجيال السابقة أسهمت في بناء مؤسسات الدولة والمجتمع، واجتهدت فأصابت في محطات وأخطأت في أخرى، وهذا هو المسار الطبيعي لأي تجربة بشرية.
لذلك فإن احترام هذا الإرث واجب، لكن تحويله إلى مبرر لاحتكار المواقع أو تعطيل التداول هو بداية الجمود.
لقد تبدل العالم بوتيرة غير مسبوقة.
فما كان يُدار بالأمس بالخبرة الشخصية والحدس والملاحظة والعلاقات التقليدية، يُدار اليوم بالبيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، والتحليل التنبؤي، والقرارات المبنية على الأدلة.
ولم يعد التحدي في امتلاك الخبرة وحدها، بل في القدرة على فهم أدوات العصر وتوظيفها.
لذلك فإن الفجوة بين الأجيال لم تعد مجرد فارق في العمر، بل أصبحت فارقًا في طريقة التفكير وإدارة المعرفة وصناعة القرار.
من هنا، فإن القضية ليست صراعًا بين جيل قديم وجيل جديد، بل انتقالًا طبيعيًا للمسؤولية. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد السنوات التي قضاها في موقعه، وإنما بقدرته على إعداد من يخلفه، وتحويل خبرته إلى رصيد وطني تستفيد منه الأجيال القادمة، لا إلى حاجز يمنعها من التقدم.
ولعل هذه الفلسفة هي ما يحاول التيار الديمقراطي تجسيده؛ فهو لا يقوم على إعادة تدوير النخب التقليدية، بل ينطلق من القواعد الاجتماعية، لأن غالبية المجتمع الأردني من الشباب، ومن الطبيعي أن يكونوا شركاء في قيادة المستقبل، لا مجرد جمهور يستمع أو ينتظر دوره.
فالشباب اليوم يحملون أولويات تختلف عن أولويات الأمس؛ فهم يفكرون في الاقتصاد الرقمي، وريادة الأعمال، والذكاء الاصطناعي، والتعليم الحديث، وجودة الحياة، والعدالة في الفرص. ومن غير المنطقي أن تُدار قضايا المستقبل بعقلية الماضي وحدها.
إن التداول بين الأجيال ليس تقليلًا من شأن أحد، بل احترام لسنة الحياة.
يقول تعالى: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾، فالتداول ليس مجرد مبدأ سياسي، بل قانون من قوانين العمران. ولكل زمن دولته، ولكل عصر شبابه، ولكل مرحلة أدواتها ورؤيتها.
لذلك، فإن أعظم ما يمكن أن يقدمه جيل الرواد اليوم ليس التمسك بالمواقع، بل تسليم الراية بثقة، والانتقال من قيادة المشهد إلى رعاية المشهد، ومن صناعة القرار إلى صناعة القادة.
فهذه هي اللحظة التي تتحول فيها الخبرة إلى إرث، ويصبح العطاء أكثر تأثيرًا من المنصب.
شكرًا لكم... لقد أديتم واجبكم، وأسهمتم في بناء ما نحن عليه اليوم، وهذا محل تقدير واحترام.
لكن الأوطان لا تُبنى بجيل واحد، ولا تستمر بقيادة لا تتجدد.
افسحوا المجال للشباب، ليس لأنهم أصغر سنًا، بل لأن المستقبل يُكتب بلغتهم، ويُصنع بأدواتهم. فمن لا يفسح الطريق للمستقبل، لن يوقفه، وإنما سيجد نفسه خارج مساره.

























