الدكتور عطاالله الشرعة يكتب :أوقفوا توزيع المعونات… وابدؤوا بتوزيع الأرض
نبأ الأردن -
هناك سؤال أخشى أن أحدًا في الأردن لا يريد أن يطرحه…كيف يمكن لدولة تمتلك آلاف الدونمات من الأراضي غير المستغلة، ويعيش فيها عشرات الآلاف من الشباب العاطلين عن العمل، أن تدّعي أن البطالة لا حل لها؟
هذا السؤال وحده يكشف حجم الخلل.
لقد أخطأنا عندما أقنعنا أجيالًا كاملة أن مستقبلها يبدأ من باب الوظيفة الحكومية، وأن النجاح يعني الانتظار سنوات على قوائم التعيين، أو البحث عن واسطة، أو الهجرة إذا أُغلقت الأبواب.
لقد صنعنا ثقافة انتظار… ولم نصنع ثقافة إنتاج.
ولهذا، لم تعد البطالة مجرد رقم في تقرير رسمي، ولم يعد الفقر مجرد نسبة مئوية في دراسة اقتصادية، بل أصبحا تهديدًا حقيقيًا للاستقرار الاجتماعي، ونزيفًا مستمرًا للعقول والطاقات، وثمنًا تدفعه الدولة كل يوم.
والمؤلم أن الجميع يتحدث عن النتائج… بينما يهرب من الأسباب.
نناقش البطالة، لكننا لا نناقش لماذا بقيت الأرض بلا زراعة.
نناقش الفقر، لكننا لا نناقش لماذا بقي الإنتاج ضعيفًا.
نناقش الهجرة، لكننا لا نسأل لماذا أصبح الشاب يرى مستقبله خارج وطنه لا داخله.
لقد آن الأوان للاعتراف بأن سياساتنا الاقتصادية بحاجة إلى مراجعة شجاعة، لا إلى ترقيعات جديدة.
فالأردن لا يستطيع أن يستمر في توسيع القطاع العام إلى ما لا نهاية، ولا يستطيع أن يبني مستقبله على المساعدات والمنح، ولا يمكن أن يهزم الفقر بزيادة أعداد المستفيدين من برامج الدعم.
الدول لا تبنى بالإعانات…بل بالإنتاج.
وأنا لا أطرح اليوم فكرة حالمة، ولا أكتب أمنيات على الورق.
أنا أطرح مشروعًا وطنيًا لو توفرت له الإرادة، فإنه قادر على تغيير وجه الاقتصاد الأردني خلال سنوات قليلة.
أعطوا الأردني أرضًا… ولن يطلب وظيفة.
نعم… بهذه البساطة.
لدينا آلاف الدونمات من أراضي الدولة، بعضها مهمل منذ سنوات، وبعضها لا يحقق أي قيمة اقتصادية، بينما يقف شبابنا على أبواب البطالة، ينتظرون فرصة قد لا تأتي.
لماذا لا تتحول هذه الأراضي إلى مصانع مفتوحة للإنتاج؟
ولماذا لا يصدر قانون وطني يمنح الشباب والأسر الفقيرة حق الانتفاع بهذه الأراضي لمدة ثلاثين عامًا، مقابل استثمارها زراعيًا أو إنتاجيًا؟
لا أطالب بتمليك الأرض…بل بحق العمل عليها.
تبقى الأرض ملكًا للدولة…ويبقى الإنتاج ملكًا للمواطن.
ومن يزرع ويعمل ويحقق الإنتاج، يستمر.
ومن يهمل الأرض، تعود منه لتُمنح لمن هو أقدر على استثمارها.
أليست هذه أفضل من أن تبقى الأرض مهجورة، ويبقى الإنسان عاطلًا؟
لكن الأرض وحدها لا تكفي.الدولة مطالبة بأن تكون شريكًا حقيقيًا، لا مجرد مانح لعقد انتفاع.
عليها أن توفر التمويل الميسر، والبذور، والإرشاد الزراعي، والطاقة الشمسية، وشبكات الري الحديثة، والتأمين الزراعي، والأهم من ذلك كله… التسويق.
لأن أكبر مأساة يعيشها المزارع الأردني ليست في الزراعة، بل في بيع إنتاجه.
ولهذا، أقترح إنشاء شركة وطنية للتسويق الزراعي، تكون مهمتها شراء المنتجات من المزارعين، وتصنيفها، وتصنيعها، وتصديرها، حتى لا يبقى المزارع رهينة لتاجر أو وسيط أو تقلبات السوق.
ولماذا نتوقف عند الزراعة؟
كل محافظة يجب أن تتحول إلى مركز إنتاج.
في الأغوار… زراعة وصناعات غذائية.
في المفرق…محاصيل استراتيجية وثروة حيوانية.
في الكرك والطفيلة… تصنيع غذائي واستثمار الأراضي الواسعة.
في معان… زراعة حديثة بالطاقة الشمسية.
في العقبة… مركز للتصدير والتخزين.
وفي كل محافظة، مصنع واحد على الأقل يستوعب الإنتاج المحلي، لأن القيمة الاقتصادية الحقيقية لا تتحقق عندما نبيع البندورة أو الزيتون خامًا، بل عندما نحولهما إلى منتجات تحمل اسم "صنع في الأردن”.
ولكي نكون واقعيين، فإن الأردن يعاني من شح المياه، وهذا تحدٍ لا يمكن تجاهله.
لكن العالم سبقنا في هذا المجال.
فالزراعة الحديثة اليوم تعتمد على الري بالتنقيط، والزراعة المائية، والبيوت البلاستيكية، والمحاصيل ذات العائد المرتفع والاستهلاك المائي المنخفض.
أي أن المشكلة ليست في قلة المياه فقط، بل في غياب القرار.
وأقولها بكل وضوح…
كم ننفق سنويًا على دعم الفقر؟
وكم نخسر بسبب البطالة؟
وكم نستورد من الغذاء؟
ولو أن جزءًا من هذه الأموال وُجه إلى مشروع إنتاج وطني، أما كان أجدى وأبقى أثرًا؟
إن أخطر سياسة اقتصادية هي تلك التي تجعل المواطن ينتظر ما تقدمه له الدولة.
وأذكى سياسة اقتصادية هي التي تجعل المواطن قادرًا على أن يعيش من إنتاجه.
أنا لا أدعو إلى إلغاء الدعم، فهناك أسر تستحقه، وسيبقى واجبًا وطنيًا.
لكنني أدعو إلى أن يتحول الدعم من إعانة للاستهلاك إلى استثمار في الإنتاج.
لأن الدولة التي توزع المعونات، تخفف الألم.
أما الدولة التي تخلق فرص الإنتاج، فإنها تعالج المرض من جذوره.
واليوم، وأنا أطرح هذه المبادرة، لا أبحث عن تسجيل موقف، ولا عن كتابة مقال ينتهي أثره بعد ساعات….بل أبحث عن فتح نقاش وطني كبير.
لماذا لا تكون الحرب القادمة في الأردن حربًا على البطالة؟
ولماذا لا يكون سلاحها الأرض؟
ولماذا لا يصبح شعارها:
"كل أرض تُزرع… تعني أردنيًا أقل على قوائم البطالة.”
أنا على يقين بأن الأردني لا يحتاج إلى من ينفق عليه…
بل يحتاج إلى من يفتح له الباب.
وأؤمن أن شابًا يحمل معولًا في أرضه، خير للوطن من شاب يحمل ملفًا ينتظر توقيعًا على وظيفة.
لذلك أقولها للمرة الأخيرة…
إذا عجزت الدولة عن توظيف الشباب… فلتمنحهم الأرض.
فالأرض لا تمنحهم محصولًا فقط…
بل تمنحهم كرامة.
وتمنح الوطن أمنًا غذائيًا. وتمنح الاقتصاد حياةً جديدة.
والأهم من ذلك كله… أنها تمنح الأردن مستقبلًا يصنعه أبناؤه بأيديهم، لا بالانتظار، ولا بالمساعدات، ولا بالوعود.


























