اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. وليد العريض يكتب: وزارة صناعة الغد… المصنع الوحيد الذي يُصدِّر الوعود ويستورد الهزائم

د. وليد العريض يكتب: وزارة صناعة الغد… المصنع الوحيد الذي يُصدِّر الوعود ويستورد الهزائم
نبأ الأردن -

-في تعقيب على مقالة الأستاذ الدكتور وليد عبد الحي الموسومة: "دبلوماسية عرقوب العربي"-

... 
   ليس أشد إيلامًا من أن تتحول الوعود إلى مهنة رسمية، ولا أشد سخرية من أن يصبح الفشل موظفًا دائمًا في مؤسسات النجاح المعلن بينما يخرج علينا المتحدثون كل صباح بابتسامة المنتصر ويطلبون من الشعوب أن تصفق للغد الذي لا يصل أبدًا.

   قرأت مقالة د. وليد عبد الحي، ثم شعرت أن الرجل لم يكن يقرأ خطابات السياسيين بقدر ما كان يفتح ملفات قسم الطوارئ في مستشفى التاريخ حيث ترقد الوعود تحت أجهزة الإنعاش منذ عقود ويقف حولها الخبراء يؤكدون كل عام أن حالتها ممتازة وأنها ستنهض بعد البيان القادم.

   اكتشفت أن الشرق الأوسط ليس فقيرًا في الموارد ولا في العقول، بل فقير في شيء واحد هو احترام ذاكرة الناس لأن الخطاب الذي قيل قبل خمسين عامًا يعود إلينا كل عدة سنوات بربطة عنق جديدة ويقسم بالأيمان نفسها أن المستقبل يقف خلف الباب ينتظر فقط انتهاء مراسم التصوير.

   في بلادنا لا يموت الوعد لأنه لا يولد أصلًا وإنما يبقى جنينًا محفوظًا في ثلاجات السياسة يخرجونه عند كل أزمة ثم يعيدونه إلى مكانه بعد انتهاء التصفيق، ويتركون المواطن يطارد سرابًا تعلم كيف يغير ألوانه أكثر مما يغير اتجاهه.

   كان عرقوب في التراث العربي يعد أخاه بثمرة نخلة، أما عرقوب المعاصر فقد اكتشف أن النخلة ليست ضرورية وأن الثمرة يمكن أن تُزرع في البيانات الرسمية وتُسقى بالمؤتمرات وتُحصد في نشرات الأخبار، ثم لا يجد الناس في نهاية الموسم سوى جذع يابس تعلق عليه لافتة كتب عليها "إنجاز تاريخي".

   كلما ارتفع عدد الاتفاقيات انخفضت مساحة الطمأنينة في القلوب وكلما ازداد الحديث عن الاستقرار ازداد عدد الأبواب التي تغلقها الأسر خوفًا من صباح جديد، حتى أصبح السلام عند كثيرين يشبه إعلانًا تلفزيونيًا فاخرًا يزداد لمعانًا كلما ابتعد عن الواقع.

   أصبح الإعلام الرسمي يمارس نوعًا جديدًا من الكيمياء السياسية، فهو يحول الخسائر إلى انتصارات والانتكاسات إلى إنجازات والانكماش إلى ازدهار، ثم يطلب من المواطن أن يصدق عيني المذيع أكثر مما يصدق عينيه وهو ينظر إلى جيبه وشارعه ومستقبل أبنائه.

   صرنا نعيش في جمهورية لا تعاني من نقص في الخطط وإنما من فائض فيها، ولا تشكو قلة المبادرات وإنما كثرتها حتى أصبح كل مشروع جديد مقبرة للمشروع الذي سبقه وصار المستقبل مثل قطار تعلن المحطة وصوله كل ساعة دون أن يدخل الرصيف مرة واحدة.

   ولأن الذاكرة العربية ما زالت تحتفظ بقليل من الحياء فإنها كلما سمعت عبارة "مرحلة جديدة" نظرت حولها تبحث عن المرحلة القديمة التي وعدت بها قبلها فلم تجدها، ثم تبتسم ابتسامة ساخرة وتواصل السير لأنها تعلم أن الطريق نفسه سيُعبد بالشعارات ذاتها مهما تغيرت أسماء السالكين.

   ولو قُدِّر لعرقوب أن يزور عالمنا اليوم لاعتذر عن قصته القديمة ولأعلن أمام الجميع أنه كان هاويًا بسيطًا في فن التأجيل بينما نجح تلاميذه في تحويل التأجيل إلى نظرية حكم وإلى ثقافة دولة وإلى صناعة لا تتوقف خطوط إنتاجها ليلًا ولا نهارًا.

   إن أخطر ما في المشهد ليس أن الوعود أخلفت أصحابها، بل أن الذين أخلفوا الوعد ما زالوا يملكون الجرأة ليعدوا من جديد وكأن الذاكرة العربية ولدت هذا الصباح ولم تسمع خطابًا ولم تقرأ بيانًا ولم تنتظر موسمًا كاملًا من مواسم عرقوب الطويلة.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يلاحقنا ليس متى يتحقق الوعد، وإنما متى تتوقف مصانع الوعود عن إعادة تدوير الخيبة في أغلفة براقة ومتى يدرك صانع القرار أن احترام عقل الإنسان هو أول طريق احترام الوطن وأن الدول لا تبنى بالخطب مهما ارتفع التصفيق ولا بالصور مهما كثرت الابتسامات وإنما تبنى بالعدل والعلم والمؤسسات والمساءلة والعمل الصادق الذي لا يحتاج إلى مذيع يعلن نجاحه كل مساء.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions