اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. مي بكليزي تكتب: الشعر الفصيح في الأردن: بين القصيدة العمودية وقصيدة النثر – الواقع والتحديات

د. مي بكليزي تكتب: الشعر الفصيح في الأردن: بين القصيدة العمودية وقصيدة النثر – الواقع والتحديات
نبأ الأردن -
تزامن حضور القصيدة العمودية مع حضور فاعل وثري لقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر في المشهد الشعري الأردني منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي ولغاية الآن، الأمر الذي أثرى الحركة الشعرية رغم اختلاف القوالب اللغوية للشعر.

لم يكن هذا التنوع مجرد تغير في الأطر الخارجية للنص، بل شرع الباب على مصراعيه، ممثلًا في حالة الجدل النقدي والمعرفي حول مفهوم الشعرية وحدودها، وسؤالًا كبيرًا حول مشروعية الأشكال الجديدة، وهل تمثل امتدادًا حيويًا للوعي العربي المعاصر أم انقطاعًا عنه.

وتنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن الإبداع لا يُقاس بالقالب الشكلي وحده، بل بالقيمة الجمالية الكامنة في النص، وأن المشهد الشعري الأردني يقدم نموذجًا ثريًا لتعايش الأشكال ومثاقفتها، وهو ما يستدعي بالضرورة تطوير أدوات نقدية مرنة تتجاوز الأحكام المعيارية المسبقة، لتواكب نبض النص وتحولاته.

أولًا: تحولات الشعر الفصيح في الأردن (السياق والاتجاهات)

مثلت ثمانينيات القرن الماضي انفتاحًا للمناخ الثقافي الأردني على تيارات الحداثة العربية والعالمية، ممثلةً في حركة الترجمة، والمجلات الطليعية، وعودة الطاقات الأكاديمية والمبدعة من الخارج. وقد قاد هذا الانفتاح إلى تدرج مرن من هيمنة القصيدة العمودية الكلاسيكية نحو رحابة قصيدة التفعيلة، وصولًا إلى مغامرة قصيدة النثر.

وهذا التغيير والتجديد يشكلان العقيدة الإنسانية للإبداع في حتمية التغيير، ومواكبة اللغة لصنوف التعبير على اختلافها.

ويمكن تصنيف المشهد الأردني عبر ثلاثة اتجاهات رئيسة:

1. الاتجاه المحافظ والمجدد (القصيدة العمودية)

حافظ هذا التيار على العروض الخليلي ووحدة القافية، لكنه ثوّر لغته وصورته الشعرية ومضامينه، ليتخلص من النبرة الخطابية القديمة.

أبرز أسمائه: حبيب الزيودي، راشد عيسى، يوسف العظم، خالد محادين، وعمر العرموطي.

2. اتجاه الحداثة الإيقاعية (قصيدة التفعيلة)

شكل الجسر الرابط بين التراث والمغامرة، وامتاز بتوظيف الرموز الأسطورية والتاريخية مع الحفاظ على التدفق الإيقاعي الحر.

أبرز أسمائه: إبراهيم نصر الله، خالد أبو خالد، طاهر رياض، ومحمد لافي.

3. اتجاه شعرية الهامش واليومي (قصيدة النثر)

اتجه هذا الفصيل نحو تقويض البنى الوزنية تمامًا، متكئًا على الإيقاع الداخلي، والمفارقة، وتفاصيل الحياة اليومية، وبناء جماليات "المشهد السردي".

أبرز أسمائه: أمجد ناصر (في تجربته النثرية الطليعية)، موسى حوامدة، غازي الذيبة، ومحمد الضمور.

ثانيًا: الواقع النقدي والتحديات

يرزح المشهد الشعري الأردني تحت وطأة فجوة واضحة بين تسارع النص الإبداعي وتباطؤ الرصد النقدي. فما زال الجدل التقليدي قائمًا بين عقلية ترى "الشعرية" حكرًا على الوزن، وعقلية ترى أن الوزن قيد يعيق الرؤية الحداثية.

ويمكن رصد أبرز التحديات في النقاط الآتية:

- عدم مواكبة النقد الأدبي للتطور الفطري والطبيعي للشعر، واستبدال مواكبته بالرفض الساذج له دون تطوير ولحاق بهذا التطور، مترافقًا مع تطوير الأدوات النقدية والفنية القادرة على تفكيك جماليات قصيدة النثر دون إخضاعها قسرًا لمعايير الخليل.

- معضلة استسهال النثر: الخلط الحاد بين "الخاطرة الإنشائية" و"قصيدة النثر"، مما أدى إلى فيضان من النصوص الضعيفة التي تختبئ وراء لافتة النثر.

- أسر الصناعة والنظم: سقوط جزء من القصائد العمودية الأردنية المعاصرة في فخ المباشرة والصناعة اللفظية المفتعلة، مما أفرغها من حرارة الدفق الشعوري، لتتحول إلى "نظم" بارد.

- المحاكمة بأدوات غريبة: استمرار بعض النقاد الأكاديميين في محاكمة نص النثر الطليعي بأدوات البلاغة التراثية القديمة.

رابعًا: نحو رؤية نقدية جديدة (خاتمة وتوصيات)

يحق للقارئ والمتلقي العادي الاختيار والمفاضلة بين أشكال الشعر كلها دون أن يبرر سببًا لهذا الاختيار، وللناقد أيضًا، على المستوى الشخصي، أن يفاضل ويختار ما يعجبه من هذه القوالب الشعرية.

لكن على المستوى النقدي، أعتقد أنه من السذاجة بمكان رفض قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر بكلمة واحدة، دون الاطلاع والمقاربة والتصنيف بين هذه النماذج الحداثية؛ فالأدب يتقدم خطوات على النقد، والناقد الحقيقي ملزم أخلاقيًا باللحاق بهذه الإبداعات، وتطوير أدواته النقدية والفنية ليتمكن من دراستها ومقارنتها والمقاربة بينها، ليصدر أخيرًا حكمه النقدي عليها. ويأتي هذا بعد الانطلاق من حتمية مفادها ضرورة التغيير والتطوير في التعابير والأجناس المختلفة، التي تضبطها الحاجة الإنسانية والمبرر الوجودي لعملية الإبداع، دون تضييق ولا تهميش لكل ما يطرأ عليها من جديد.

فالمعركة النقدية الحقيقية لا يجب أن تقوم على معركة شكل وقالب بقدر ما هي معركة جودة ودهشة.

فليس كل كلام موزون ومقفى يرتقي إلى مرتبة الشعر، وليست كل جملة منثورة ومقطعة إلى أسطر هي قصيدة نثر.

وعليه توصي الورقة بضرورة:

- الانتقال من سؤال: «هل هذا موزون؟» إلى سؤال الشعرية: «كيف تتخلق الجمالية هنا؟»، وهو سؤال جدير بالانشغال به عوضًا عن الرفض لأجل الرفض.

- تأسيس مختبرات نقدية داخل الجامعات الأردنية تدرس النص المعاصر دون تعصب قبلي للأشكال.

- التركيز على معيار التكثيف، وعمق الرؤية، وحرارة التجربة، بوصفها مسطرة أساسية للتفاضل، ليبقى الإبداع الحقيقي حرًا، ومشعًا، ومتجددًا في كافة قوالبه وتجلياته، مع مواكبة التغيير للتطور الطبيعي.

تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions