م. صلاح طه عبيدات يكتب: من يحرس حياة الناس وممتلكاتهم ؟
نبأ الأردن -
ليست أخطر أشكال الفساد أن تُسرق الأموال، بل أن تُسرق هيبة القانون. فالأموال قد تُعوَّض، أما الأرواح التي تُزهق بسبب الإهمال، والثقة التي تنهار بسبب التراخي، فلا يعيدها اعتذار، ولا تمحوها بيانات رسمية.
إن الدولة التي تسمح بممارسة المهن دون كفاءة، وتغض الطرف عن الورش والكراجات غير المؤهلة، لا تواجه مجرد مخالفات إدارية، بل تؤسس ــ عن قصد أو عن عجز ــ لثقافة ترى في الفوضى واقعًا مقبولًا، وفي تجاوز القانون سلوكًا يمكن التعايش معه. وهنا تكمن الكارثة؛ لأن انهيار الدول لا يبدأ من حدودها، بل من انهيار المعايير داخلها.
رخصة مزاولة المهنة ليست ختمًا على ورقة، ولا رسماً يُستوفى، ولا إجراءً بيروقراطيًا يُضاف إلى ملفات المؤسسات. إنها عقد أخلاقي بين المجتمع ومن يمارس المهنة، وتعهدٌ بأن المعرفة سبقت الممارسة، وأن الكفاءة سبقت المسؤولية، وأن حياة الإنسان ليست سلعةً رخيصة في سوق الاجتهادات الفردية.
لكن ماذا يبقى من هذا العقد حين تتحول الرخصة إلى إجراء شكلي، أو تُمارس المهنة بلا ترخيص أصلًا؟ وماذا يبقى من هيبة الدولة عندما تنتشر الورش العشوائية أمام أعين الجهات الرقابية، وكأن القانون لا يُطبق إلا على من يحترمه؟
إن أخطر ما يصيب المؤسسات ليس نقص الإمكانات، بل فقدان الإرادة. فحين تصبح الرقابة موسمية، والتفتيش انتقائيًا، والعقوبات استثناءً، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع واضحة: المخالفة أقل كلفة من الالتزام، والفوضى أكثر ربحًا من احترام القانون.
وليس مقبولًا أن تُستدعى أجهزة الدولة بعد وقوع الكارثة لتبحث عن المسؤول. فالدولة التي لا تمنع الخطر قبل وقوعه، تفقد جزءًا من شرعيتها الأخلاقية في حماية مواطنيها. فالرقابة ليست رد فعل، بل فعل استباقي، والمعيار الحقيقي لكفاءة المؤسسات ليس عدد الضبوطات بعد وقوع المخالفات، بل قدرتها على منع وقوعها أصلًا.
إن الورشة المؤهلة ليست مبنىً فنيًا فحسب، بل مساحة تُترجم فيها قيمة الإنسان إلى إجراءات، ويتحول فيها المعيار إلى ثقافة، والسلامة إلى التزام. أما الورشة التي تعمل خارج كل ضابط، فهي ليست مشروعًا اقتصاديًا، بل احتمالٌ مفتوح لحادثٍ مؤجل، تدفع ثمنه أسرة بريئة أو مواطن وثق بجهة لم تستحق ثقته.
ومن المؤسف أن بعض المؤسسات لا تزال تتعامل مع الرقابة بوصفها نشاطًا إعلاميًا، لا رسالة وطنية. فتكثر المؤتمرات، وتُصاغ البيانات، وتُعلن الأرقام، بينما يبقى السؤال الحقيقي بلا جواب: كيف وصلت المخالفة إلى هذه المرحلة أصلًا؟ ولماذا لم تُكتشف قبل أن تتحول إلى خطر يهدد المجتمع؟
إن الإدارة التي تكتفي بإحصاء المخالفات بعد وقوعها، ولا تُراجع أسبابها البنيوية، لا تعالج المرض، بل توثق أعراضه. أما الإدارة الرشيدة، فهي التي تعتبر كل مخالفة دليلًا على وجود ثغرة تستوجب الإصلاح، لا مجرد رقم يُضاف إلى تقرير الإنجازات.
الدول العظيمة لا تُقاس بقدرتها على معاقبة المخالفين بعد الكارثة، بل بقدرتها على بناء منظومة تجعل وقوع الكارثة استثناءً نادرًا. أما حين يصبح الاستثناء هو الانضباط، وتصبح الفوضى هي القاعدة، فإن الخطر لا يكون في الورش والكراجات وحدها، بل في الفلسفة الإدارية التي سمحت لها بالنمو والتمدد.
إن احترام المهنة يبدأ باحترام المعيار، واحترام المعيار يبدأ بإرادة سياسية وإدارية لا تعرف المجاملة، ولا تخضع للضغوط، ولا تساوم على سلامة الإنسان. فالدولة التي تتهاون في شروط الممارسة، إنما تكتب بيدها شهادة تآكل هيبتها، لأن القانون الذي لا يُطبق على الجميع يتحول من رمزٍ للعدالة إلى شاهدٍ على عجزها.
إن السؤال الذي يجب أن يؤرق كل مسؤول ليس: كم مخالفة ضبطنا؟ بل: كم مخالفة منعنا من أن تقع؟ فهناك فرقٌ شاسع بين دولة تُدير الأزمات، ودولة تمنع ولادتها.
وتلك هي الفلسفة التي تفصل بين المؤسسات التي تبني الحضارة، والمؤسسات التي تكتفي بإدارة آثار الانهيار.


























