عبدالله بني عيسى يكتب: الوجود الأمريكي في الأردن.. هل هو انتقاص من السيادة فعلاً؟
نبأ الأردن -
تبدو الرواية الرسمية للدولة الأردنية خاسرة، حتى الآن، في معركتها الشعبية للدفاع عن قرارها بإبرام اتفاقية تتيح وجود قوات أمريكية على أراضيها. فقد نجح "المعارضون الشعبويون" في اختصار القضية بعبارات مشحونة من قبيل «قواعد احتلال» و«انتهاك السيادة» و«حماية إسرائيل»، بينما أخفق الخطاب الرسمي والإعلامي في تقديم تفسير سياسي وأمني مقنع يضع هذا القرار في سياقه الحقيقي.
من حق الأردني أن يسأل عن أي اتفاقية عسكرية، وعن حدودها وضوابطها ومدى خضوعها للقانون والسيادة الوطنية. لكن السؤال شيء، وتحويل الوجود العسكري المتفق عليه بين دولتين إلى احتلال شيء آخر تماماً. فالاحتلال يُفرض بالقوة وينزع عن الدولة قرارها، أما الشراكات الدفاعية فتُبرم بقرار الدولة نفسها، انطلاقاً من قراءتها للمخاطر وموازين القوة ومصالحها الوطنية.
وأنا شخصياً لا أرى الوجود الأمريكي في الأردن مساساً بالسيادة، بل أحد الأدوات التي تستخدمها الدولة لحمايتها في إقليم ملتبس لا يمنح الدول الصغيرة ومتوسطة القوة ترف الاكتفاء بالنوايا الحسنة والخطب الوطنية.
يكفي أن ننظر إلى الخريطة. فمنذ سقوط النظام العراقي عام 2003، عانى الأردن من فوضى ممتدة على حدوده الشرقية: تنظيمات إرهابية، وتهريب أسلحة ومخدرات، وميليشيات عابرة للحدود يرتبط جزء منها تنظيمياً وسياسياً بإيران. وعلى هذه الحدود، رابط آلاف العناصر شهوراً وهم يطالبون بفتحها تحت شعار نصرة غزة وفلسطين؛ أي إنهم كانوا يريدون، عملياً، اقتحام الحدود الأردنية وفرض قرارهم على الدولة.
لم يكن مشروع هؤلاء تحرير فلسطين، لأن الزحف الفوضوي عبر الأردن لن يحرر شبراً منها. النتيجة الأقرب كانت إدخال البلاد في اضطراب أمني واسع، وإسقاط الحدود، وفتح المجال أمام جماعات مسلحة لا تعترف بالدولة ولا بسيادتها ولا بحق الأردنيين في تقرير مصيرهم.
وعلى الحدود الشمالية، واجه الأردن خلال سنوات الحرب السورية ميليشيات تابعة لإيران كانت قد حولت أجزاء واسعة من سوريا إلى مساحات نفوذ عسكري وأمني. وكانت هذه المجموعات، بما تحمله من سلاح وعقيدة عابرة للدولة، قادرة على جر المنطقة إلى صدامات مفتوحة، لولا قوة المؤسسات الأردنية، وتماسك الجبهة الداخلية، وكفاءة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.
وفي الحالتين، شرقاً وشمالاً، لم يكن الضباط والمخططون الإيرانيون بعيدين عن مشهد الضغط والتأزيم الميداني المحيط بالأردن.
أما غرباً، فيواجه الأردن دولة إبادة تحتل أرضاً فلسطينية، وتضم في حكوماتها وحركتها السياسية أصواتاً متطرفة لا تتردد في الإعلان عن رؤى توسعية، أو في التعامل مع الأردن باعتباره جزءاً من ترتيباتها الديموغرافية والأمنية المستقبلية. ليست إسرائيل جاراً يمكن الركون إلى اعتداله، بل قوة عسكرية متفوقة تحكمها، في أحيان كثيرة، نزعات دينية وقومية شديدة التطرف.
وفي محيط عربي سريع التحول، لا توجد صداقات أبدية ولا عداوات أبدية، ولا استقرار يمكن اعتباره مضموناً. الأنظمة تتغير، والتحالفات تتحرك، والميليشيات تتكاثر، والدول التي تبدو مستقرة اليوم قد تصبح غداً مصدراً للفوضى. تشبه المنطقة صحراءها؛ تتحرك فيها الرمال والكثبان، وتتبدل معالمها باستمرار.
صاحب القرار الأمني العميق في الأردن لا يقرأ هذا المشهد بعاطفة ولا بقصائد الحماسة والبلاغة التي تملأ صفحات بعض المعترضين. إنه يعرف قدرات الدولة، وحدود إمكاناتها، وحجم القوى المحيطة بها. ويعرف أن حبنا للأردن، وثقتنا المطلقة بجيشه ومؤسساته، لا يعنيان الادعاء بأن إمكاناته العسكرية تكفي وحدها لمواجهة كل مصادر الخطر في وقت واحد.
نحب الأردن ونراه أكبر من الدنيا، ونعتز بالإرث الأخلاقي والسياسي الذي قامت عليه الدولة، لكن حب الوطن لا يعني تضخيم قوته على الورق. الواقعية الوطنية تقتضي أن نعرف مواضع القوة ومواضع الحاجة، وأن نبني شبكة واسعة من الشراكات تمنع عزل البلاد أو استفراد أي قوة إقليمية بها.
من هنا، لم يبنِ الأردن علاقته الدفاعية مع الولايات المتحدة وحدها، بل نسج شراكات عسكرية وأمنية مع بريطانيا وفرنسا ودول أوروبية وعربية عديدة. والهدف ليس تسليم القرار الأردني لهذه الدول، بل جعل الاعتداء على الأردن أو تهديد أمنه أكثر كلفة وتعقيداً.
حتى الوجود الدولي الرمزي يحمل قيمة ردعية. فالدول والجماعات المسلحة تحسب حساباً مختلفاً عندما تعلم أن تهديد الأردن قد يتحول إلى أزمة مع شبكة أوسع من القوى الكبرى. هذه ليست تبعية، بل استخدام ذكي للعلاقات الدولية لتعويض اختلالات القوة التي لا يستطيع الأردن تغييرها بالجغرافيا أو بالشعارات.
اليابان، ثالث أكبر اقتصاد في العالم، تستضيف منذ أكثر من ثمانين عاماً نحو 54 ألف جندي أمريكي، ولم يمنعها ذلك من أن تكون دولة كاملة السيادة وقرارها الوطني مستقل. وألمانيا، القوة الاقتصادية الأكبر في أوروبا، تستضيف منذ الفترة نفسها ما بين 35 و38 ألف جندي أمريكي، ومع ذلك لا يشكك أحد في سيادتها أو مكانتها الدولية. وكذلك كوريا الجنوبية، التي تستضيف منذ أكثر من ثمانية عقود نحو 28.5 ألف جندي أمريكي في إطار شراكة أمنية فرضتها طبيعة التهديدات التي تواجهها. وحتى إيطاليا تستضيف منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي نحو 12 ألف جندي أمريكي، بينما تحتفظ المملكة المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية بوجود عسكري أمريكي دائم على أراضيها.
لو كان مجرد وجود قوات أمريكية يعني بالضرورة سقوط السيادة، لكانت اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية وإيطاليا والمملكة المتحدة أولى الدول التي فقدت سيادتها منذ عقود. لكن الواقع يقول العكس؛ فقد تحولت هذه الدول إلى قوى اقتصادية وسياسية وعسكرية كبرى، بينما بقي قرارها الوطني بيد حكوماتها المنتخبة، لا بيد القواعد العسكرية الموجودة على أراضيها.
أبعد من ذلك: لا أرى ما يلجم الاندفاع الإسرائيلي ضد الأردن أكثر من عمق العلاقة الأردنية الأمريكية، ولا ما يردع الميليشيات المنفلتة التي تتحرك بتوجيه إيراني أكثر من معرفتها بأن الأردن ليس دولة معزولة يمكن التحرش بها ثم تركها وحيدة في الميدان.
قد تنحاز واشنطن إلى إسرائيل، وهذا واقع لا يحتاج إلى إنكار. لكن السياسة ليست بحثاً عن الصديق الكامل، لأنه غير موجود، بل عن كيفية استثمار العلاقة بما يحمي المصالح الوطنية.
من الأفضل للأردن أن يكون حاضراً في واشنطن، ومسموعاً داخل مؤسساتها، ومتشابك المصالح معها، على أن يترك الساحة كاملة للحكومة الإسرائيلية وجماعات الضغط المؤيدة لها.
وقد اختبر الأردن معنى التحالف عملياً، لا نظرياً، في الحرب على تنظيم «داعش». ففي عام 2015، عندما نشر التنظيم مشهد إحراق الشهيد الطيار معاذ الكساسبة، أُصيبت الكرامة الوطنية الأردنية بجرح عميق. وزاد الألم ما ظهر على بعض منصات التواصل العربية من شماتة وتبرير للجريمة.
في ذلك الوقت، لم تقف الولايات المتحدة موقف المتفرج. تصاعد داخل الكونغرس ضغط واسع لتسريع تزويد الأردن بالذخائر والوقود والمعدات اللازمة لمقاتلة التنظيم، وطالب مشرعون بإعطاء المساعدات العسكرية الأردنية أولوية عاجلة. وفي الثالث من شباط 2015، وقّعت واشنطن وعمّان مذكرة رفعت بموجبها المساعدات الأمريكية المقررة للأردن إلى مليار دولار سنوياً للأعوام 2015–2017. كما تصاعدت الدعوات داخل الكونغرس لتسريع تسليم الأسلحة والذخائر بعد إعلان جريمة اغتيال الشهيد الكساسبة.
وعندما شن سلاح الجو الملكي عملية «الشهيد معاذ» ضد مواقع تنظيم داعش، كان الأردن يقاتل ضمن تحالف دولي، ووجد في الأمريكيين والفرنسيين والبريطانيين شركاء في مواجهة تنظيم وحشي كان يهدد الأردن والمنطقة كلها. وقد ضرب سلاح الجو الأردني عشرات الأهداف التابعة للتنظيم خلال أيام، ضمن حملة عسكرية واسعة أعقبت الجريمة.
هل انتقص هذا التعاون من سيادة الأردن؟ على العكس، خرج الأردن من تلك المواجهة أكثر احتراماً في العالم، بجيش يقاتل دفاعاً عن بلاده، ودولة لم تنحنِ للابتزاز، وتحالفات وفرت لها ما تحتاجه من إسناد استخباري ولوجستي وعسكري. لم يقاتل أحد مكان الأردن، ولم يصادر أحد قراره؛ الأردن هو الذي قرر، وجيشه هو الذي قاتل، وحلفاؤه أسندوه.
المشكلة، إذن، ليست دائماً في ضعف الحجة الأردنية، بل في ضعف من يقدّمها. فقد فشلنا تاريخياً في تسويق كثير من مواقفنا المتعلقة بالأمن الوطني والسياسة الخارجية، لا لأنها غير مقنعة، بل لأن الخطاب المكلف بالدفاع عنها غالباً ما يكون متأخراً وبارداً ومبهماً، ويترك المجال مفتوحاً للخصوم كي يملأوا الفراغ بالروايات والشعارات.
حين لا تشرح الدولة، يشرح الآخرون مكانها. وحين لا يتحدث الإعلام بلغة الناس، تتحول الاتفاقيات الدفاعية إلى «احتلال»، والمستشارون العسكريون إلى «قواعد أجنبية»، والشراكة إلى «تبعية»، حتى لو كان الواقع أكثر تعقيداً واختلافاً.
الدفاع عن الوجود الأمريكي لا يعني منح واشنطن صك براءة، ولا إنكار جرائم إسرائيل، ولا إعفاء الاتفاقيات من الرقابة والنقاش. السيادة الحقيقية تقتضي أن تكون الاتفاقيات معلومة الحدود، خاضعة للقانون، ومحصورة في خدمة الأمن الأردني. لكنها لا تعني أن تعيش الدولة وحيدة لمجرد إرضاء الشعارات.
السيادة ليست أن ترفض الحلفاء ثم تعجز عن مواجهة الأخطار. السيادة هي أن يكون القرار أردنياً: نختار شركاءنا، ونحدد أدوارهم، ونستخدم علاقاتنا لحماية أرضنا وحدودنا واستقرارنا.
وفي النهاية، يبقى سؤال لأصحاب الضمائر الحية: من ألحق بالأردن أذى أكبر خلال العقود الماضية؟ الولايات المتحدة التي وقفت معه في مواجهة الإرهاب، وأسهمت في دعم قواته واقتصاده، أم إيران التي أحاطته بالميليشيات، وضغطت على حدوده، وساندت قوى لا تعترف بالدولة الوطنية، ثم قصفت وتقصف أراضيه بذريعة استهداف آخرين؟
هذا السؤال لا يحتاج إلى محاضرة طويلة. يحتاج فقط إلى قدر من الإنصاف، وإلى قراءة الوقائع كما حدثت، لا كما تريد الشعارات أن نراها.























