اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. عبدالله محمد القضاه يكتب: حين تتكامل المؤسسات ... ينتصر الوطن

د. عبدالله محمد القضاه يكتب: حين تتكامل المؤسسات ... ينتصر الوطن
نبأ الأردن -
تتخذ الحكومات أحيانًا قرارات إصلاحية جوهرية قد تثير تساؤلات مشروعة لدى العاملين والجمهور، لا سيما فيما يتعلق بآثارها المحتملة. من بين هذه القرارات، المقترح الخاص بإلغاء المؤسسة المدنية ودمجها ضمن كيان واحد تتولى القوات المسلحة إدارته. ينبغي النظر إلى هذا القرار من منظور المصلحة الوطنية بعيدة المدى، وليس فقط من زاوية التغيير الإداري.
من الأهمية بمكان التأكيد على أن حقوق العاملين مصونة. لقد أرست الدولة الأردنية، على مدى عقود من الإصلاح الإداري، تقليدًا راسخًا يقوم على حماية الموظف العام وعدم تحميله أعباء إعادة الهيكلة. جميع عمليات الدمج أو الإلغاء التي شهدتها مؤسسات الدولة في السنوات الماضية لم تؤدِ إلى الاستغناء عن الموظفين، بل تم نقلهم إلى الجهات الجديدة مع الحفاظ على حقوقهم الوظيفية والمالية، وسنوات خدمتهم، وامتيازاتهم. هذا النهج يعكس التزام الحكومة بسيادة القانون واحترام الاستقرار الوظيفي، ويؤكد أن العنصر البشري يظل محور عملية الإصلاح وليس ضحيتها. بناءً على ذلك، يجب أن يطمئن موظفو المؤسسة المدنية إلى أن عملية الدمج تهدف إلى تطوير الأداء، ورفع الكفاءة، وتعظيم الاستفادة من الموارد، دون المساس بمكتسباتهم الوظيفية.
يتجاوز البعد الاستراتيجي لهذا القرار الاعتبارات الإدارية ليشمل قضية وطنية حيوية تتمثل في الأمن الغذائي. فالعالم اليوم يشهد أزمات متتالية في سلاسل التوريد وأسعار الغذاء، مما يجعل امتلاك مؤسسة وطنية قوية وموحدة، تتمتع بإدارة منضبطة وإمكانات لوجستية عالية، عنصرًا أساسيًا من عناصر الأمن الوطني الشامل.
لقد أثبتت القوات المسلحة الأردنية، على مر تاريخها، قدرتها الاستثنائية على الإدارة الاحترافية، والانضباط، وسرعة الاستجابة، والكفاءة في إدارة الموارد. فعندما تتولى إدارة مؤسسة وطنية معنية بتوفير السلع الأساسية، فإن ذلك يعزز استدامة المخزون الاستراتيجي، ويرفع كفاءة عمليات الشراء والتخزين والتوزيع، ويحد من الهدر، ويضمن وصول السلع إلى المواطنين بجودة عالية وأسعار عادلة، خاصة في الظروف الاستثنائية والطوارئ.
كما أن توحيد المؤسسة سيحقق وفورات مالية كبيرة من خلال دمج الإدارات والأنظمة اللوجستية والمشتريات، مما يوجه الموارد نحو تحسين الخدمات والتوسع في المنتجات بدلًا من تكرار النفقات الإدارية.
لتحقيق الأهداف الاجتماعية والاقتصادية لهذا المشروع بصورة أشمل، من المناسب إطلاق منظومة وطنية للبطاقات التموينية الذكية. تشمل هذه المنظومة العسكريين والمدنيين، العاملين والمتقاعدين، بحيث يحصل المستفيدون على خصومات مدعومة على السلع الأساسية ضمن سقوف شهرية تراعي حجم الأسرة واحتياجاتها الفعلية.
ويمكن أن تتضمن المنظومة خصمًا بنسبة (20%) للعسكريين، تقديرًا لطبيعة خدمتهم وتضحياتهم، وخصمًا بنسبة (15%) للمدنيين، على السلع الأساسية فقط، وبسقوف شهرية محددة تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه وتمنع إساءة الاستخدام أو المتاجرة بالدعم.
هذه البطاقة لا ينبغي النظر اليها كوسيلة لتخفيض الأسعار فحسب، بل كأداة ذكية لإدارة الدعم الحكومي بكفاءة وعدالة، وربط الدعم بالمواطن مباشرة بدلًا من دعم السلعة بصورة عامة، مما يحقق عدالة أكبر في توزيع المنافع، كما ويمكن تطوير هذه الفكرة لتصبح منصة وطنية متكاملة تقدم مزايا إضافية، منها برامج الولاء، والحوافز الشرائية، وربطها بالمنتجات الوطنية لتشجيع الصناعة الأردنية، وإتاحة التسوق الإلكتروني وخدمة التوصيل، وربطها بالهوية الرقمية، مع توفير عروض موسمية للأسر الكبيرة وذوي الدخل المحدود والمتقاعدين.
إن نجاح هذا المشروع لن يقاس بقرار الدمج وحده، بل بقدرته على بناء مؤسسة وطنية حديثة تجمع بين الانضباط العسكري والكفاءة الاقتصادية والرسالة الاجتماعية. وأن تكون هذه المؤسسة ذراعًا للدولة في تعزيز الأمن الغذائي، ودعم الأسر، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
ختاما، لا تتردد الدول القوية في إعادة هيكلة مؤسساتها عندما تقتضي المصلحة الوطنية ذلك، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حقوق العاملين وصون كرامتهم. عندما يقترن التحديث الإداري برؤية اقتصادية واجتماعية متكاملة، فإنه يتحول من مجرد تغيير تنظيمي إلى مشروع وطني يعزز ثقة المواطن بدولته، ويرسخ مفهوم أن مؤسسات الدولة، مهما اختلفت أدوارها، تعمل جميعًا لتحقيق هدف واحد: خدمة الوطن والمواطن، وحماية أمنه واستقراره وغذائه.
* أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions