م.صلاح طه عبيدات يكتب : ثمانون عامًا من الاستقلال
نبأ الأردن -
لم يكن الأردن خلالها مجرد حدودٍ تُرسم على الخرائط، بل كان حكاية مجدٍ كُتبت بعرق الرجال، وصبر الأمهات، ودماء الشهداء، وحكمة القيادة الهاشمية التي حملت الوطن في قلبها كما يحمل الأب أبناءه في زمن العواصف.
الاستقلال الأردني لم يكن يومًا عابرًا في رزنامة الوطن، بل كان بداية مسيرةٍ أردنيةٍ شعبيةٍ هاشمية، معبّدةٍ بشواهد الكرامة والفخار، ومضيئةٍ بأسماء الرجال الذين وقفوا على ثرى الوطن حراسًا للكرامة والسيادة. فمنذ أن ارتفع علم الأردن حرًا في الخامس والعشرين من أيار، والأردنيون يبنون دولتهم بصمت الكبار، وثقة المؤمنين بأن الأوطان العظيمة لا تُقاس بحجم الجغرافيا، بل بحجم الكبرياء الذي يسكن أبناءها.
في عيد الاستقلال الثمانين، لا نستحضر التاريخ بوصفه حنينًا إلى الماضي فقط، بل نستحضره بوصفه ذاكرةً حيّةً تسكن وجدان الأردنيين. نستحضر القرى التي أرسلت أبناءها إلى الجيش العربي، والمدن التي حفظت أسماء الشهداء كما تحفظ الأم أسماء أطفالها، والبيوت التي كانت تنتظر أبناءها العائدين من ميادين البطولة بصبرٍ وكبرياء.
وفي هذا اليوم الوطني الكبير، تنحني الكلمات إجلالًا لكل أفراد الجيش العربي الأردني، أولئك الذين حملوا أرواحهم على أكفّهم ليبقى الأردن شامخًا آمنًا عزيزًا. تحيةٌ لكل جندي رابط على الحدود، ولكل شهيدٍ ارتقى وهو يحرس كرامة الوطن، ولكل محاربٍ قديم ما تزال في عينيه ذاكرة البنادق ورائحة التراب ونداء الواجب.
وتحيةٌ خاصة لروح والدي المرحوم، ذلك الجندي الأردني الذي قاتل على أسوار القدس، مؤمنًا أن الدفاع عن القدس دفاعٌ عن شرف الأمة وكرامتها. كان واحدًا من أولئك الرجال الذين لم يكتبوا بطولاتهم بالحبر، بل كتبوها بالصبر والعرق وصدق الانتماء. رحل الجسد، لكن صورته ما تزال حيّةً في الذاكرة؛ جنديًا أردنيًا بسيطًا، يحمل في قلبه وطنًا كاملًا، ويؤمن أن الكرامة لا تُشترى، وأن الأوطان تُصان بالتضحية.
ثمانون عامًا من الاستقلال، والأردن ما يزال يقف ثابتًا في وجه الريح، لا تغريه الضوضاء، ولا تكسره الأزمات، لأنه بُني على فكرةٍ عظيمة: أن الدولة عهدٌ بين القيادة والشعب، وأن الوطن لا يحيا إلا بأهله المخلصين.
لقد علّمنا الأردن أن الوطنية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل سلوكٌ يومي، وإخلاصٌ للعمل، ووفاءٌ للناس، واحترامٌ لتاريخ الرجال الذين صنعوا للدولة هيبتها. ولذلك بقي الأردن، رغم قلة الموارد وكثرة التحديات، وطنًا يشبه النبلاء؛ هادئًا في منطقه، عظيمًا في مواقفه، وكبيرًا في كرامته.
وفي عيد استقلاله الثمانين، يبدو الأردن وكأنه يكتب رسالته من جديد إلى العالم:
أن الأوطان التي تقوم على الشرف والوعي والمحبة لا تسقط…
وأن الرايات التي حملها الشهداء تبقى مرفوعةً ما دام في الأرض رجالٌ يؤمنون بها.
حفظ الله الأردن… وقيادته الهاشمية الحكيمة...
وحفظ جيشه العربي…
ورحم شهداءه ومحاربيه القدامى…
وكل عام والوطن أكثر عزّةً وكرامةً ومجدًا.





















