د.عبدالله محمد القضاه يكتب: الاستقلال الأردني: قصة صمود ونهضة في قلب التحديات
نبأ الأردن -
في الخامس والعشرين من أيار، لا يحتفل الأردنيون بذكرى تاريخية عابرة، بل يستحضرون قصة وطنٍ وُلد من رحم التحديات، وصمد أمام عواصف الإقليم، ليُصبح نموذجاً فريداً في الاستقرار والعقلانية السياسية. لم يكن استقلال المملكة الأردنية الهاشمية عام 1946 مجرد انتقالٍ قانوني من الانتداب إلى السيادة، بل كان إعلاناً مدوياً عن ميلاد مشروع دولة عربية حديثة، أثبتت أن الإرادة الوطنية الصلبة تتجاوز قلة الموارد وقسوة الجغرافيا.
لقد جاء هذا الاستقلال تتويجاً لتحالفٍ تاريخي ثلاثي الأبعاد، شكّل جوهر الهوية الأردنية المتماسكة: قيادة هاشمية حكيمة، حملت لواء الثورة العربية الكبرى ومشروع الدولة العربية القائمة على الشرعية والاعتدال. وجيش عربي مصطفوي، كان ولا يزال السور المنيع الذي حمى الدولة الناشئة، ورسّخ سيادتها، وقدم التضحيات الجسام دفاعاً عن الأردن وفلسطين والأمة. وشعب أردني أصيل، بعشائره ومدنه وقواه الاجتماعية، أثبت منذ التأسيس أنه شريك حقيقي في بناء الدولة وصون استقرارها، متجاوزاً كل محاولات التفرقة والفتنة.
منذ لحظة الاستقلال، لم يتعامل الأردن مع السيادة باعتبارها شعاراً احتفالياً، بل مسؤولية وطنية ثقيلة تتطلب بناء مؤسسات قوية، وترسيخ دولة القانون، وإدارة حكيمة قادرة على الصمود في بيئة إقليمية مضطربة. ولهذا، استطاع الأردن، خلال عقود قليلة، أن يؤسس دولة حديثة ذات حضور سياسي ودبلوماسي فاعل على الساحتين الإقليمية والدولية، وأن يبني مؤسسات تعليمية وصحية وعسكرية وأمنية أصبحت محل احترام وتقدير.
وعلى المستوى الدولي، نجح الأردن في ترسيخ صورته كدولة اتزان واعتدال، وصوت حكمة في منطقة تعصف بها الأزمات. فكان ولا يزال حاضراً بقوة في الدفاع عن القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وحافظ على دوره التاريخي في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، كما استطاع أن يكون شريكاً موثوقاً في جهود الأمن والسلام ومحاربة التطرف والإرهاب.
أما على المستوى الإقليمي، فقد أثبت الأردن أن قوة الدول لا تُقاس بحجمها الجغرافي أو ثرواتها الطبيعية فقط، بل بصلابة مؤسساتها، وحكمة قيادتها، وتماسك شعبها. ففي الوقت الذي سقطت فيه دول تحت وطأة الفوضى والانقسامات، بقي الأردن متماسكاً لأن أساسه بُني على علاقة ثقة متبادلة بين القيادة والشعب والجيش، ولأن الدولة الأردنية أدركت مبكراً أن الاستقرار ليس صدفة، بل مشروع وطني دائم يحتاج إلى الحكمة والقوة والانتماء.
إن أعظم ما حققه الاستقلال الأردني أنه صنع دولة تمتلك قرارها، وتحترم شعبها، وتحمي هويتها، وتؤمن بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية للأوطان. ولهذا لم يكن الأردن يوماً دولة طارئة في التاريخ، بل وطناً استطاع أن ينتصر على محدودية الإمكانات بالإرادة، وعلى التحديات بالثبات، وعلى العواصف بالإيمان العميق بالدولة ورسالتها.
وفي عيد الاستقلال، يتجدد العهد بين القيادة والشعب والجيش، بأن يبقى الأردن، كما كان دائماً، قلعة منيعة، وواحة أمن واستقرار، ورمزاً للكرامة والسيادة الوطنية. كل عام والأردن، قيادةً وشعباً وجيشاً، بألف خير.
* أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا.


























