اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

م.صلاح طه عبيدات يكتب : مشاجرة بني كنانة....والإعلام الجائر

م.صلاح طه عبيدات يكتب : مشاجرة بني كنانة....والإعلام الجائر
نبأ الأردن -
في كلِّ مرةٍ تقع فيها مشاجرةٌ أو حادثةُ عنفٍ في أيِّ منطقةٍ من مناطق الوطن، تتسابق منصّات التواصل الاجتماعي إلى إصدار الأحكام، وتتحوّل بعض الصفحات إلى ساحاتِ إدانةٍ جماعيةٍ تُحمِّل مجتمعًا كاملًا مسؤولية تصرّفات أفراد، دون انتظار نتائج التحقيق أو معرفة الملابسات الحقيقية التي قادت إلى ما حدث.
وما شهدته منطقة بني كنانة مؤخّرًا من مشاجرةٍ مؤسفةٍ، لا يمكن تبريره أو القبول به تحت أيِّ ظرف؛ فالعنفُ مرفوضٌ أخلاقيًّا وقانونيًّا واجتماعيًّا، ولا يمكن أن يكون وسيلةً لحلِّ الخلافات أو التعبير عن الغضب. لكن، وفي الوقت ذاته، فإنّ من العدالة ألّا تُختزل الحادثة في روايةٍ واحدة، أو تُقدَّم للرأي العام من زاوية التعاطف مع طرفٍ دون الوقوف على الأسباب الحقيقية التي أدّت إلى انفجار الموقف.
فهل كانت هناك استفزازاتٌ سبقت الحادثة؟
وهل تعرّض أحد الأطراف لإساءاتٍ أو ممارساتٍ أشعلت فتيل التوتّر؟
وهل جرى تداول المشهد الأخير فقط، بينما بقيت البدايات والظروف التي سبقت المشاجرة غائبةً عن التداول؟
هذه الأسئلة لا تهدف إلى تبرير العنف، بل إلى البحث عن الحقيقة كاملةً؛ لأنّ العدالة لا تُبنى على الانفعال، بل على الفهم العميق للأسباب والدوافع والسياقات.
إنّ أخطر ما في بعض التغطيات عبر "الفيسبوك” ليس فقط سرعة الإدانة، بل تعميم الصورة السلبية على منطقةٍ كاملة تُعدّ من أجمل مناطق الأردن وأكثرها قيمةً تاريخيةً وسياحيةً وإنسانية. فبني كنانة ليست عنوانًا لمشاجرةٍ عابرة، بل منطقةٌ تحمل إرثًا اجتماعيًّا عريقًا، وتاريخًا طويلًا من الكرم والشهامة وحماية الضيف والمستجير.
وأهل بني كنانة، كما يعرفهم الأردنيون جميعًا، شعبٌ مضيافٌ يفتح بيوته قبل أبوابه، ويحترم الزائر، ويكرم الضيف، ويقف إلى جانب الضعيف، وهي قيمٌ لم تولد اليوم، بل تشهد بها عقودٌ طويلة من التاريخ والعادات الأصيلة التي حافظت عليها المنطقة جيلاً بعد جيل.
ومن الظلم أن تتحوّل حادثةٌ فردية — مهما كانت مؤسفة — إلى مادةٍ للتشهير الاجتماعي أو الإساءة إلى سمعة منطقةٍ بأكملها، خصوصًا في زمنٍ أصبحت فيه الكلمة والصورة تنتشران خلال دقائق، وقد تخلّفان آثارًا اقتصاديةً وسياحيةً واجتماعيةً عميقة.
إنّ المسؤولية الأخلاقية للإعلام، سواء التقليدي أو الرقمي، تقتضي التوازن، وعدم الانجرار خلف الإثارة أو صناعة التعاطف الانتقائي، بل نقل الوقائع كما هي، واحترام نتائج التحقيق، وتجنّب تأليب الرأي العام قبل اكتمال الصورة.
ويبقى الأمل أن تكون هذه الحادثة — رغم مرارتها — دافعًا لتعزيز ثقافة الحوار، وضبط الانفعالات، ومعالجة أسباب الاحتقان الاجتماعي قبل أن تتحوّل إلى مواجهاتٍ مؤسفةٍ لا يربح فيها أحد، فالأوطان تُبنى بالوعي، والمجتمعات تُحمى بالعقل، والعدالة تبدأ دائمًا من معرفة الحقيقة كاملة، لا نصفها فقط.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions