نور الدويري تكتب: مستقبل الشرق الأوسط بين تفكك الدولة وإعادة التوازن الدولي
نبأ الأردن -
مستقبل الشرق الأوسط لا يُكتب في القاعات المغلقة وحدها، بل يُرسم على الأرض حيث تُختبر فكرة الدولة نفسها، المنطقة اليوم تقف عند تقاطع مسارين متوازيين، مسار تفكك داخلي في دول فقدت الحد الأدنى من العقد الاجتماعي، ومسار إعادة توازن دولي يُدار عبر حرب ظل وتنافس بين القوى الكبرى.
في المسار الأول، نرى دولاً تجاوزت مرحلة الأزمة إلى مرحلة غياب الطرف القادر على التعاقد فعندما تتحول المؤسسات إلى أدوات ولاء ضيقة، ويصبح الانتماء للطائفة أو العشيرة أو الميليشيا أعلى من الانتماء للدولة، ينهار أساس المشروع الوطني. وفي هذه البيئة لا يموت الحلم فحسب، بل يصبح من يحاول البناء خارج منظومة الولاءات خارج اللعبة. العودة من هذا الوضع مكلفة، لأنها تتطلب إعادة بناء الدولة قبل إعادة بناء الاقتصاد أو المجتمع، وإعادة تعريف معنى المواطنة قبل أي إصلاح سياسي أو إداري.
في المسار الثاني، تجري مواجهة ممتدة في الخفاء وعلى السطح بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. الضربات المتبادلة، واستهداف البنية النووية والصاروخية، وسباق النفوذ في الجغرافيا المحيطة، كلها تعكس منطق ردع متبادل يهدف إلى تأمين الحدود ومنع الانزلاق إلى حرب شاملة. غير أن أثر هذه المواجهة لا يبقى محصوراً في الأطراف المباشرة، بل يمتد إلى المنطقة ككل عبر اضطراب الأسواق، وارتفاع كلفة الأمن، وتزايد الضغط على الاقتصادات الهشة التي تدفع ثمن الصراع دون أن تكون جزءاً من قراره.
هذه المواجهة لا تحدث في فراغ بل تأتي ضمن تنافس أوسع بين واشنطن وبكين على تشكيل معايير النظام الدولي القادم ومع أن الصراع العالمي بات يتوسع ليشمل الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، إلا أن الشرق الأوسط ما زال يمثل نقطة ارتكاز لا يمكن تجاوزها لأن طاقة العالم تمر من هنا، وممرات التجارة العالمية تتقاطع عنده، وأي اهتزاز فيه سرعان ما يتحول إلى ارتداد سياسي واقتصادي يتجاوز حدوده الجغرافية لذلك فإن التعامل مع المنطقة بوصفها هامشاً مؤقتاً ليس سوى خطأ استراتيجي يتكرر كلما انفجرت الأزمات.
ورغم قتامة هذا المشهد، لا تزال بعض دول المنطقة تملك هامشاً حقيقياً للمناورة وتفادي السيناريو الأسوأ، إذا بادرت إلى إصلاحات مؤسسية مبكرة تعيد الاعتبار لفكرة الدولة كإطار جامع. فالتاريخ في الشرق الأوسط أثبت مراراً أن الدول التي تحمي مؤسساتها وتُحسن إدارة أولوياتها تستطيع الصمود، حتى وسط أكثر العواصف تعقيداً.
هنا يظهر الخيط المشترك الذي يجمع معظم دول المنطقة حيث ان البقاء لم يعد مرتبطاً بالشعارات، بل بالحفاظ على الحد الأدنى من الدولة على الاقل بمعنى ان الحد الأدنى واضح وبسيط فهو يبدأ ب الإدارة الفاعلة، والقضاء النزيه، واقتصاد لا تلتهمه الواسطة ولا تُدمّره شبكات المصالح اي ان الدول التي تحتفظ بهذا الحد تستطيع أن تتفاوض وتعدّل، وتستوعب الضغط الخارجي. أما الدول التي تفقده فتتحول إلى مساحة جغرافية تتقاسمها سلطات الأمر الواقع.
مستقبل المنطقة إذن لن تحدده الخطب ولا البيانات، بل قدرة كل دولة على تحصين مؤسساتها قبل أن تُكتب قواعد اللعبة دونها. المنطقة تُعاد صياغتها بالقوة، لكن من يحتفظ بدولة قائمة اليوم سيملك غداً ما يعيد بناءه عندما تهدأ العاصفة، وسيبقى لاعباً حقيقياً في لحظة إعادة التوازن، لا مجرد ساحة تُدار من الخارج.


























