اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. وليد العربض يكتب: تاكر كارلسون يقتحم السيرك الإسرائيلي… ويترك “الديمقراطية الوحيدة” واقفةً بملابسها الداخلية أمام العالم

د. وليد العربض يكتب: تاكر كارلسون يقتحم السيرك الإسرائيلي… ويترك “الديمقراطية الوحيدة” واقفةً بملابسها الداخلية أمام العالم
نبأ الأردن -
هناك لحظات نادرة في التاريخ السياسي والإعلامي لا تحتاج إلى صواريخ ولا جيوش ولا انقلابات، بل يكفي فيها رجل يجلس بهدوء أمام كاميرا ويتوقف لثوانٍ عن الكذب المعتاد، حتى تبدأ الإمبراطوريات كلها بالارتجاف كما ترتجف راقصة سيرك سقط عنها طلاء الوجه فجأة أمام الجمهور، وهذا تمامًا ما فعله تاكر كارلسون حين دخل إلى الاستوديو الإسرائيلي لا بوصفه صحفيًا أمريكيًا ثرثارًا كما حاول الإعلام العبري تصويره، بل بوصفه مرآة ضخمة متحركة، مرآة لا تضع مساحيق على الجثث ولا تضع موسيقى رومانسية فوق الركام ولا تستعمل عبارة "الدفاع عن النفس" لتبرير قتل الرضّع وتجويع المدن ودفن العائلات تحت الأسمنت المحروق.

لقد كان المشهد أشبه بضيف اقتحم حفلة تنكرية للنخب الإسرائيلية، ثم بدأ بنزع الأقنعة واحدًا تلو الآخر أمام الكاميرات، بينما المذيع الإسرائيلي يحاول بكل ما يملك من بلاغة مرتجفة أن يعيد ترتيب الجثة السياسية المتعفنة على أنها "أيقونة حضارية" تحترم القانون الدولي، وكأن العالم أعمى إلى هذه الدرجة، أو كأن غزة ليست موجودة أصلًا على الخرائط، أو كأن أطفالها الذين احترقوا تحت القصف مجرد مؤثرات صوتية في فيلم حربي رديء الإنتاج.

كارلسون لم يصرخ ولم يشتم ولم يحتج إلى خطب ثورية طويلة، بل فعل شيئًا أكثر رعبًا بالنسبة للإسرائيليين، قال الحقيقة ببرود أعصاب وهذه وحدها جريمة لا تُغتفر في الإعلام الإسرائيلي الذي تعود منذ عقود على بيع الدم العربي داخل علب أنيقة مكتوب عليها "قيم الغرب" و"أخلاقيات الحرب و حق الدفاع عن النفس" ، حتى صار القاتل يبدو ضحية وصار الشهيد متهمًا لأنه مات بطريقة أزعجت ضمير المحتل أمام الشاشات.

وحين تجرأ الرجل وقال إن إسرائيل قتلت آلاف الأطفال وإن دولة تحتل ملايين البشر وتحرمهم من أبسط حقوقهم لا تستطيع التباهي بالديمقراطية، أصيب الاستوديو بما يشبه الانهيار العصبي الجماعي، لأن المشكلة لم تكن في كذب كلامه بل في دقته المرعبة، فالإسرائيلي يستطيع تحمل الشتائم، لكنه لا يحتمل أن يسمع توصيفًا حقيقيًا لنفسه دون رتوش، تمامًا كما ينهار مصاص الدماء إذا شاهد صورته الحقيقية في المرآة.

أما اللحظة الكوميدية السوداء في المقابلة، فقد كانت حين تحدث المذيع الإسرائيلي بثقة مسرحية عن "التزام إسرائيل بالقانون الدولي" وهي جملة بدت مضحكة إلى درجة أن جدران الاستوديو نفسها كادت تنفجر من السخرية، لأن الحديث عن احترام القانون الدولي بعد كل هذا الركام والمجازر والاستيطان والتجويع، يشبه افتتاح عصابة لسرقة البنوك معهدًا لتعليم الأخلاق أو يشبه إعلان ذئب متخم بالدم عن تأسيس جمعية للرفق بالحملان.
لقد ظهر الرعب الحقيقي في الإعلام العبري بعد المقابلة، ليس خوفًا من كارلسون نفسه، بل خوفًا من الفكرة التي حملها معه إلى الداخل الإسرائيلي، فكرة أن الرواية الصهيونية لم تعد مقدسة كما كانت وأن الأمريكي الذي كان يصفق تلقائيًا لكل ما تقوله تل أبيب بدأ يسأل أسئلة مزعجة عن الأطفال والاحتلال والجوع والمقابر الجماعية وهذه الأسئلة أخطر على إسرائيل من ألف صاروخ، لأن الدولة التي تعيش على صورة الضحية تموت ببطء حين يبدأ العالم برؤية الضحية الحقيقية.

الإسرائيليون لم يغضبوا لأن الرجل "معادٍ للسامية" كما ادعوا بسرعة هستيرية متوقعة، بل لأنهم شعروا للمرة الأولى أن آلة التجميل الإعلامية العملاقة التي اشتغلت لعقود بدأت تتعطل أمام ملايين المشاهدين وأن صورة "الجيش الأكثر أخلاقية" تحولت فجأة إلى نكتة سوداء ثقيلة وأن كل هذا المكياج السياسي الذي وُضع بعناية فوق وجه الاحتلال بدأ يذوب تحت حرارة الحقيقة القادمة من استوديو تلفزيوني واحد.

وهكذا انتهت المقابلة كما تنتهي عروض السيرك الفاشلة عادة، مهرجون مرتبكون يركضون خلف الحقيقة بمحاولة يائسة لتغطيتها بالأعلام والشعارات والاتهامات الجاهزة، بينما يقف تاكر كارلسون في المنتصف كطفل القصة القديمة الذي نظر إلى الإمبراطور العاري وقال ببساطة جارحة: "أنتم لا ترتدون شيئًا" وفجأة اكتشف الجميع أن "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" لم تكن سوى ماكينة ضخمة لإعادة تدوير الدم والكذب داخل عبوات براقة تحمل ختم الحضارة الغربية.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions