عاطف أبو حجر يكتب: جذور المحبة

عاطف أبو حجر يكتب: جذور المحبة
نبأ الأردن -
في زحمة الحكايات التي ترويها الجغرافيا، تبقى بعض القصص أصدق من الحدود وأعمق من الخرائط؛ تلك التي لا تُكتب بالحبر، بل تُحفَظ في الذاكرة، وتتوارثها القلوب كما تتوارث الأرض ثمارها. ومن بين هذه الحكايات تبرز رسالة الأرمني رافي ماتوسيان، القادمة من بلدة كسب في شمال سوريا، كأنها غصن عنب امتد عبر الزمن ليحمل معنى لا يذبل.

تحكي الرسالة عن رحلة ألم طويلة بدأت عام 1915، حين اضطر الأرمن في كسب إلى مغادرة بيوتهم قسرًا، وسلكوا طرقًا شاقة مشيًا على الأقدام، من كسب إلى جسر الشغور، فحماة، فحمص، فالنبك، فدير عطية، فدمشق، حتى وصلوا إلى شمال الأردن: إربد ثم السلط. كانت رحلة مثقلة بالخوف، لكنها لم تخلُ من الضوء.

في الأردن، لم يجد هؤلاء المهجّرون خيامًا باردة فحسب، بل وجدوا صدورًا دافئة وشعبًا احتضنهم وشاركهم الخبز وربما الدمع أيضًا. وهناك، في السلط تحديدًا، لم تكن الضيافة مجرد واجب، بل موقفًا إنسانيًا صادقًا ترك أثره في النفوس والأرض.

وبعد نحو عامين، بدأت رحلة العودة إلى كسب حوالي عام 1919. عادوا إلى بيوتهم، لكنهم حملوا معهم شيئًا من الأردن؛ شيئًا بسيطًا وعميق الدلالة: عنب السلط.

لم يكن ذلك العنب مجرد نبات، بل ذاكرة مزروعة. غرسوه في أرض كسب، فنما وأثمر، ومع كل موسم كان يروي حكاية الامتنان ويجدد العهد بين شعبين جمعتهما المحنة، فصنعا منها إنسانية لا تُنسى.

ولعل أجمل ما في هذه القصة أن الاسم بقي كما هو: «عنب السلط». لم تغيّره السنوات ولم تمحه المسافات، فظل شاهدًا على أن المعروف لا يضيع، وأن ما يُزرع بمحبة يُثمر وفاءً.

إنها ليست قصة عنب فحسب، بل قصة عبور من الألم إلى الأمل، ومن الغربة إلى الأخوّة؛ قصة تؤكد أن الشعوب، مهما فرّقتها السياسة، قادرة على أن تلتقي في أبسط صور الخير: لقمة، أو مأوى، أو حتى عنقود عنب.

محتوى الرسالة يفوق القصائد جمالًا، وتفيض كلماتها بالمحبة والوفاء.

كل المحبة والتقدير من الأردن، ومن أهل السلط، إلى الأخ رافي، وإلى الشعب السوري والشعب الأرمني. فليس للشعوب طريق أصدق من السلام، ولا أبقى من المحبة.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions