م.صلاح طه عبيدات يكتب : حين تُصافح القيادةُ الأرضَ والإنسان… بني كنانة تكتب معنى الوطن

م.صلاح طه عبيدات يكتب : حين تُصافح القيادةُ الأرضَ والإنسان… بني كنانة تكتب معنى الوطن
نبأ الأردن -
ليست الزيارات الملكية إلى الأطراف مجرد محطات بروتوكولية عابرة، وليست صورًا تُلتقط على عجل ثم تُطوى في أرشيف الأخبار اليومية، بل هي في جوهرها قراءة عميقة لفلسفة الدولة الأردنية كما أرادها الهاشميون دائمًا؛ دولة ترى في الإنسان قيمة عليا، وفي المكان ذاكرة وهوية ورسالة مستقبل. ومن هنا جاءت الزيارات الملكية الأخيرة إلى لواء بني كنانة لتتجاوز معناها التقليدي نحو أبعاد وطنية وإنسانية وتنموية شديدة العمق.
في تلك الجغرافيا الشمالية المعلقة بين زرقة السماء وامتداد السهول، لا تبدو بني كنانة مجرد لواء إداري على خارطة الأردن، بل تبدو نصًا تاريخا مفتوحًا على حضارات وتعاقب أمم وذاكرة معارك وصمود وهوية راسخة. هناك، حيث تقف أم قيس كحارسةٍ للتاريخ المطل على فلسطين وسوريا ولبنان، وحيث تستريح الأرض في منطقة العشة على إيقاع الطبيعة واليرموك والسهول الخصبة، جاءت الزيارات الملكية وكأنها إعادة اكتشاف وطنية لمكان يختزن من الإمكانات ما يجعله مشروعًا سياحيًا وثقافيًا عالميًا لا مجرد منطقة عابرة في شمال المملكة.
لقد حمل ظهور سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني بين الشباب في أم قيس دلالة تتجاوز الصورة نحو المعنى؛ فالقرب من الشباب في فضاء مفتوح على التاريخ يوحي بأن المستقبل الأردني لا يُبنى في المكاتب المغلقة، بل في الميدان، بين الناس، وفي تماس مباشر مع الأرض التي تشكل وجدان الهوية الوطنية. كانت الرسالة واضحة: أن الدولة الحديثة لا تنفصل عن جذورها، وأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان المرتبط بمكانه وتاريخه.
ثم جاءت زيارة جلالة الملكة رانيا العبدالله إلى كفرسوم وسحم الكفارات لتضيف بعدًا آخر أكثر عمقًا؛ بعدًا يربط الجمال الطبيعي بالتنمية المستدامة، ويربط التاريخ المهمل بإمكانية تحويله إلى قوة اقتصادية وثقافية وسياحية. فالمكان هناك لا يملك فقط طبيعة آسرة، بل يمتلك سردية تاريخية هائلة تبدأ من معركة اليرموك ولا تنتهي عند الحكايات الشعبية والتراث الزراعي والإنساني المتجذر في الوجدان المحلي.
إن الرسالة الأهم التي يمكن التقاطها من هذه الزيارات تكمن في الإشارة الملكية الذكية نحو ضرورة إعادة قراءة الموارد الطبيعية والتاريخية في بني كنانة بوصفها ثروة وطنية غير مستثمرة بالقدر الكافي. فهذه المنطقة تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لتكون مقصدًا عالميًا للسياحة الثقافية والبيئية؛ من المواقع الأثرية المطلة على أكثر من جغرافيا عربية، إلى الغابات والوديان والسهول، وصولًا إلى الإرث الاجتماعي والثقافي الغني الذي ما زال يحتفظ بعفويته ونقائه بعيدًا عن التصنع.
وفي الحقيقة، فإن التنمية هنا لا يجب أن تُفهم فقط بمعناها الاقتصادي الضيق، بل بوصفها مشروعًا لاستعادة العلاقة بين الأردني وأرضه. فحين تزور القيادة مناطق الأطراف، فإنها لا تمنح المكان قيمة رمزية فحسب، بل تعيد توجيه البوصلة الوطنية نحو فكرة العدالة التنموية والانتباه للمخزون الحقيقي للدولة الكامن خارج المركزية التقليدية.
بني كنانة ليست بحاجة إلى كثير من التجميل لتصبح قصة نجاح؛ فهي تملك الجمال أصلًا، لكنها بحاجة إلى مشروع وطني يرى ما في الأرض من كنوز، وما في الإنسان من طاقة، وما في التاريخ من فرصة لصناعة المستقبل. وحين تأتي الإشارات الملكية بهذا الوضوح، فإنها تبدو وكأنها دعوة مفتوحة للمؤسسات الرسمية والمستثمرين والمجتمع المحلي كي يتحول هذا الجمال الصامت إلى مشروع نهضة حقيقي.
لقد بدت تلك المشاهد الملكية وكأنها تقول للأردنيين إن الوطن ليس العاصمة وحدها، وليس المدن الكبرى فقط، بل هو تلك القرى التي تحفظ الذاكرة، وتلك الجبال التي تحرس الحكاية، وتلك الوجوه البسيطة التي ما زالت تؤمن بأن العلاقة بين القيادة والشعب ليست علاقة سلطة، بل علاقة انتماء ومحبة وثقة متبادلة.
وفي بني كنانة تحديدًا، بدا المشهد أكثر شاعرية؛ فهناك يلتقي عبق التاريخ بروعة المستقبل، وتلتقي الجغرافيا بالإنسان، وتتحول الزيارة الملكية من حدث عابر إلى رسالة وطنية تقول إن الأردن ما زال قادرًا على أن يصنع من دفء الناس وجمال الأرض مشروع أمل لا ينتهي.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions