د. وليد العريض يكتب: حين اعترف الذئب… وصفّقت له بعض النعام
نبأ الأردن -
في الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء، خرج الذئب العجوز تامير باردو من جحره بعد سنواتٍ من الحراسة الصامتة، لا ليعتذر بل ليعلن بدهشةٍ متأخرة أنه اكتشف أن رائحة الدم التي ملأت أنفه لم تكن يومًا وهمًا بل كانت حقيقةً فجةً عاش داخلها وشارك في صناعتها، فقال إنه يشعر بالخجل وكأن الخجل ثمرة لا تنضج إلا بعد أن تُلتهم الغزلان وتُكسَر أعشاش الطيور وتُفرغ الغابة من براءتها، وكأن الحقيقة كانت تحتاج إلى جولة قصيرة لا إلى تاريخٍ طويل من الصمت والتواطؤ،،
وفي مجلس القرود حيث تُدار شؤون الغابة بجديةٍ تليق بالهزل، انقسمت الحيوانات حول الأسد بنيامين نتنياهو بين من رأى أنه أصبح فظًا في افتراسه لا لأنه يفترس بل لأنه لم يعد يُخفي ذلك كما ينبغي، وبين من اقترب منه أكثر لأنه أدرك أن مخالبه ما زالت تحكم اللعبة وأن الوقوف بجانبه—even كضحية مؤجلة—أفضل من أن تكون فريسة بلا حماية، فتحول الخلاف من سؤال العدالة إلى نقاشٍ تقني حول أسلوب الافتراس، وكأن المشكلة ليست في الجريمة بل في إخراجها،،
أما الذئب فقد عاد من أطراف الغابة حيث الغزلان المنهكة والأشجار المكسورة ليقول إن ما رآه يذكّره بما حدث لأسلافه في غاباتٍ بعيدة، وهي جملة لم تهزّ أحدًا بقدر ما كشفت أن الذاكرة التي استُخدمت طويلًا كدرعٍ أخلاقي بدأت تتحول إلى مرآةٍ قاسية، تعكس صورةً لا يريد أحد الاعتراف بها لكنها تقف هناك واضحةً كالشمس، لأن الحكاية لم تعد عن الماضي بل عن حاضرٍ يعيد إنتاجه بوقاحةٍ أكبر،،
وفي تلك الأطراف نفسها، استمرت الضباع الصغيرة في مهمتها اليومية من نهبٍ وترهيبٍ وتكسير، لا كحوادث منفصلة بل كنظامٍ مستقر تُدار فيه الفوضى برعايةٍ غير معلنة، حيث تُكسَر الأعشاش وتُسرق الثمار وتُطارد الغزلان بلا سبب، بينما تقف الحراسة الرسمية تراقب أو تتظاهر بالعمى، في مشهدٍ يجعل العدالة فكرةً تجميلية تُستخدم عند الحاجة وتُعطّل عند الضرورة،،
وحين حذّر الذئب من عاصفةٍ قادمة قد تقتلع الغابة نفسها، لم يكن يتنبأ بقدر ما كان يقرأ ما يُزرع يوميًا من قهرٍ وغضب، لكن مجلس القرود تعامل مع الأمر كأنه تقرير طقسٍ يمكن تأجيله، فعادوا إلى ترتيب مواقعهم وتقاسم الفروع، وكأن العاصفة ليست نتيجةً لما يفعلون بل سوء تفاهمٍ مع الريح،،
لكن المشهد الأكثر عبثًا كان عند أطراف الغابة البعيدة، حيث وقفت بعض النعام العربية وقد دفنت رؤوسها في الرمل ومدّت أجنحتها لمصافحة الأسد بنيامين نتنياهو، لا لأنها لا ترى الدم بل لأنها قررت أن تسميه شيئًا آخر، ولا لأنها لا تسمع صراخ الغزلان بل لأنها اختارت أن تعتبره ضجيجًا عابرًا، فصار المشهد أكثر سخرية من أن يُصدّق: ذئب يعترف، وغابة تنزف، ونعام يصفّق ويؤكد أن كل شيء يسير على ما يرام،،
وهنا لم تعد المأساة في أن الذئاب تفترس، فذلك من طبيعتها، بل في أن بعض من هم خارج الغابة قرروا أن يصبحوا جزءًا من الحكاية، يبررون الأنياب ويزينون المخالب ويكتبون رواياتٍ عن عدالة الأسد، حتى وهو يقف فوق جثة غزالٍ لم يكن يملك سوى الركض ولم يُسمح له حتى بذلك، لأن الكارثة الحقيقية ليست في الفعل بل فيمن يمنحه الشرعية وهو يراه بوضوح.
وفي النهاية عاد الذئب إلى جحره بعد أن قال ما قال، وبقيت الغابة كما هي لا يُستجاب فيها الدعاء، لأن المشكلة لم تكن يومًا في الصوت بل في من يملك حق السمع، ولم تكن في الحقيقة بل فيمن يصرّ على دفن رأسه حتى وهو يراها وكأن الإنكار أصبح قانونًا غير مكتوب يحكم الجميع.


























