د. ماجد عبد العزيز يكتب: هوس التصوير السيبراني
نبأ الأردن -
ما الذي يدفع المجرم القاتل القيام بتوثيق وتصوير جرائمه، إنها الدليل ضده، هناك مؤشرات سيبرانية اقترنت بالعالم الإفتراضي وتتمثل في وجود ثلاثة دوافع لذلك الهوس. أول دافع " هوس أفلام الهواة" عبر المحاولات بتنفيذ أفلام شبيهة بأفلام الأكشن التي يشاهدونها. ثاني دافع يبدو في " ثقافة الإذلال" حيث تستخدم الكاميرا من أجل إذلال الضحية وإخضاعها وتصويرها وهي في غاية الهوان والإنكسار الإنساني، كأنها تخليد الإنكسار وتوثيقه. والدافع الأخير يبدو في " ثقافة اللقطة العفوية" حيث يصل المجرم إلى حالة الإدمان الرقمي، يصبح باحثاً عن أي شيء جديد ومختلف وربما أكثر إثارة وفظاعة فيقوم بتوثيقه رقميا.
الكاميرا أصبحت ليست فقط مجرد شاهد أو موثّق، بل أصبحت أداة تحفيز وترهيب تحرّك المجرم من أـجل تحقيق لقطات سينمائية مثيرة ممزوجة بالضعف والإضطهاد للبشر.
هذا التصوير هو الذي كشف عن إجرام أنظمة سياسية قذرة وحشية. أنظمة مبنية على العنف الممنهج، عندما يقوم المجرم بتصوير نفسه وهو يقتل مدنيين عزّل، هذا لا معنى له غير أنه ليس خائفاً من حساب أو عقاب. إنه يعيش حالة من الإستباحة الكاملة، بحيث قام بتحويل الفظاعات الوحشية التي ارتكبها إلى مادة مرئية ومحتوى إعلامي. محتوى يراه الناس، ويراه المجرم نفسه لاحقاً، ربما يكون حينها أصبح من السادية أن يتلذذ في مشاهدة الهوان الإنساني بمتعة وشهوانية ضد الإنسانية.
التصوير ليس وليد العصر هذا، لقد استخدم التصوير الأنظمة السياسية القهرية من أجل إبتزاز الناس وترويعهم وإهانة كرامتهم. لكنه القدر الذي طوّر التكنولوجيا وأدواتها بحيث أصبحت الكاميرا أداة التوثيق والنشر، هي ذاتها أداة الإدانة والإتهام. فأصبحت المطالبة بالخصوصية الرقمية وحق النسيان الرقمي عبر شطب أو إزالة أي محتوى شخصي هو حق من حقوق الإنسان الرقمية. لا أن تكون أداة إبتزاز وتشهير وإذلال ومحاكمات افتراضية جاهزة.
حين يكون بإمكان مجرم برتبة " مساعد أول" اقتراف مجزرة وحشية بحق مئات من المسالمين المدنيين، جريمة في عمق المدينة وفي وضح النهار، وبدون أدنى توتر أو عجلة، كأنهم اعتادوا تلك الممارسة، وصل رقم الضحايا إلى 288 قتيل من بينهم سبع نساء يرتدين الحجاب والمعاطف، يقتلن بوحشية وعدائية غريبة تصرخ احداهن مستغيثة فيجيبها السادي القاتل: قومي ولك يا شر...، يسحبها من شعرها ويلقيها في الحفرة، تصرخ امرأتان صرخات الهلع والخوف، يركلهما السادي نحو الحفرة مطلقاً الرصاص عليهما، فيما واجهت الأخريات الموقف والمصير بصمت. كان يتلذذ في تعذيبهم وجعلهم مادة للتسلية عبر ربط أعينهم والطلب منهم بالركض، ليقوم بإطلاق النار عليهم كأنه في نادي للرماية يتدرب على أهداف بشرية حقيقية، فيتساقط الضحايا في الحفرة وتتكدس أجسادهم ليستمتع المجرم في مرحلة توحشّية ثانية، بمشاهد حرق الجثث الجماعي وطمرها. حين يكون مثل هذا القرار الوحشي الفظيع بيد مساعد أول، له صلاحية وكيفية التنفيذ بل والتصوير بحيث بدت الحالة كلقطات تمثيلية منفصلة عن الواقع. وحين يكون الإختطاف والإحتجاز للمساكين من خلال ما تدعى بالتقارير الأمنية أو الطوعية التي يقوم المرتشون والمرجفون والمنافقون والإنتهازيون بكتابتها بحق أقرب الناس إليهم، تكفي هذه التقارير ودون عرض المسكين على أية جهة قضائية، بأن يأخذ المساعد وهي رتبة أقل من ضابط ملازم ثاني، القرار والطريقة والوقت والمكان لتنفيذ مجزرة جماعية بشرية فظيعة دون أدنى خوف من المساءلة والمحاسبة. أي نظامٍ مرعبٍ يمكن تخيّله ذاك الذي يمنح رخص القتل والتعذيب والخطف والإحتجاز والتغييب للناس، ويمكِّن أشخاصاً في أدنى المستويات الأمنية والوظيفية بتقرير مصير وحياة المئات وربما الالاف من البشر. إنها جمهوريات الخوف والفوضى والتوحّش. عندما ينشر النظام السياسي فكرة الكراهية والخوف الفئوي في المجتمع، وعندما يتم وسم مكوِّن اجتماعي بأكمله بصفات غير إنسانية مثل تعابير " الجراثيم التي لا بد من تطهيرها" " المندَّسين، الإرهابيين، المتطرفين، العملاء، المرتدين والخونة"، هنا تكون شرعنة الإستئصال والقتل العشوائي الجماعي حاضراً بقوةٍ وبمسوغات وتبريرات كافية لاقتراف أفظع المجازر الوحشية. لقد أوكل النظام لتلك المجموعات التي تدعى "الشبّيحة" كافة المهام القذرة ومنحها صلاحيات إقامة الحواجز والتفتيش والتوقيف والاحتجاز دون أدنى مساءلة مع ضمان الإفلات من أي عقاب، مع صلاحيات استخدام السلاح والقتل والتهمة جاهزة بأن المقتول من المعارضة الإرهابية. كان النظام مسترجلاً على المدنيين الأبرياء، لكنه العاجز عسكرياً عند المواجهات حيث فقد نصف مساحة البلاد ومنها مناطق ممتدة داخل العاصمة ولنا عودة.

























