د. عبدالله محمد القضاة يكتب: الأكاديمية الأردنية للإدارة العامة: نحو عقل مؤسسي يجسد رؤية التحديث الوطني

د. عبدالله محمد القضاة يكتب: الأكاديمية الأردنية للإدارة العامة: نحو عقل مؤسسي يجسد رؤية التحديث الوطني
نبأ الأردن -
لطالما كان الأردن سباقاً في صياغة الرؤى والاستراتيجيات الطموحة التي تستهدف الارتقاء بالجهاز الإداري للدولة، إيماناً بأن الإدارة العامة هي العمود الفقري لأي نهضة وطنية شاملة. واليوم، ونحن نمضي بثبات نحو ترجمة رؤية سمو ولي العهد وتطلعات الحكومة في تحديث الإدارة العامة، يبرز التحدي الجوهري ليس في وفرة الخطط، بل في كيفية بناء "عقل مؤسسي" فاعل يمتلك الأدوات العلمية والعملية لتحويل هذه الرؤى إلى منجزات يلمس أثرها المواطن الأردني في جودة الخدمة وكفاءة الأداء.
إن قراءة المشهد الإداري تفرض علينا تجاوز الأنماط التقليدية في الإصلاح، والذهاب نحو مأسسة المعرفة التطبيقية كخيار استراتيجي لا يقبل التأجيل. ومن هنا، تأتي الأهمية الاستراتيجية للأكاديمية الأردنية للإدارة العامة، ليس فقط كحاضنة للتدريب، بل كمنصة سيادية لإنتاج الحلول الإدارية المبتكرة. إن إثراء عمل الأكاديمية من خلال إنشاء "مركز للدراسات التطبيقية في الإدارة العامة" يمثل الخطوة الأكثر إلحاحاً لردم الفجوة التاريخية بين التنظير الأكاديمي والتطبيق الميداني، وهو المسار الذي سلكته الدول التي حققت قفزات نوعية في كفاءة حكوماتها.
بالنظر إلى التجارب الدولية الرائدة، نجد أن التميز الحكومي في دول مثل سنغافورة والإمارات العربية المتحدة لم يكن وليد الصدفة، بل كان نتاجاً لمؤسسات بحثية تطبيقية مثل كلية الخدمة المدنية ومدرسة محمد بن راشد للإدارة الحكومية، التي عملت كأذرع فكرية (Think Tanks) زودت صانع القرار ببدائل وسياسات مبنية على الدليل العلمي والواقع الميداني .
وفي الأردن، نحن بحاجة لنموذج وطني فريد يرتكز على "التشاركية المنتجة"، حيث يلتقي الأكاديمي ببحوثه الرصينة مع الممارس بخبرته الميدانية ضمن فرق بحثية مشتركة، مهمتها الأساسية تشريح تحديات القطاع العام وتقديم وصفات علاجية قابلة للتنفيذ الفوري.
ولكي تكتمل هذه المنظومة المعرفية، لا بد من وجود وعاء علمي يحفظ وينشر هذا النتاج الوطني، وهو ما يتجسد في ضرورة إطلاق "مجلة محكمة لبحوث الإدارة العامة" تصدر عن الأكاديمية. إن وجود مجلة متخصصة لا يعني مجرد إضافة رقمية للمكتبة العربية، بل يعني إيجاد مرجعية وطنية محكمة تضمن جودة الأبحاث وتحول توصياتها إلى مرجعيات يعتد بها عند تحديث السياسات الحكومية. إن هذه الخطوة ستجعل من الأكاديمية الأردنية بيتاً للخبرة ومركزاً للإشعاع المعرفي الذي يغذي مسيرة التحديث الإداري باستمرار.
إن الآثار المتوقعة لهذا التوجه الاستراتيجي تتجاوز مجرد تحسين الأداء، لتصل إلى تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وضمان استدامة التحديث الإداري بعيداً عن الاجتهادات الفردية. فعندما يكون القرار الإداري مسنوداً ببحث تطبيقي محكم، ومنشوراً في منصة علمية رصينة، ومنبثقاً عن تعاون وثيق بين الخبرة والممارسة، فإننا نكون قد وضعنا اللبنة الأساسية في بناء "الإدارة العامة الحديثة" التي يطمح إليها الأردنيون. إنها دعوة للعمل الجاد والمنظم، لنحول الأكاديمية الأردنية للإدارة العامة إلى العقل المحرك والقلب النابض لمنظومة التحديث الوطني، وفاءً لالتزاماتنا تجاه الأجيال القادمة وتجسيداً للرؤية الهاشمية الحكيمة.
* أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions