د.حازم الرحاحلة يكتب : أسباب تراجع نقاط التعادل في الدراسة الاكتوارية (11)

د.حازم الرحاحلة يكتب : أسباب تراجع نقاط التعادل في الدراسة الاكتوارية (11)
نبأ الأردن -
فيما يتعلق بأسباب تراجع نقاط التعادل في الدراسة الاكتوارية الحادية عشرة مقارنة بالدراسة العاشرة، فمن المهم  الإشارة إلى أن هذه المسألة موضحة في الجدول أدناه، والمقتبس من الدراسة الاكتوارية الحادية عشرة التي قامت المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي بنشرها مشكورة. 

جانب من هذا التراجع، كما يظهر في الجدول، يعود إلى التغييرات التي طرأت على النموذج الاكتواري (مع العلم ان الخبير الاكتواري الذي قام بالدراسة العاشرة هو ذاته الذي قام بالدراسة الحادية العاشرة)، إضافة إلى تعديل بعض الفرضيات المستخدمة، وهي جوانب قد تستدعي مزيدا من التوضيح والنقاش مع الفريق الاكتواري الذي أعد الدراستين العاشرة والحادية عشرة. كما يرتبط جانب آخر من هذا التراجع بالتطورات التي شهدها سوق العمل، ومستويات الشمول التأميني، وأنماط الإقبال على التقاعد خلال الفترة 2020–2023، ولا سيما الزيادة الملحوظة في أعداد المتقاعدين مبكرا من القطاع العام خلال عام 2023.

كذلك، يعزى جزء محدود من هذا التراجع إلى التعديلات التشريعية التي أقرت في عام 2024، والتي انعكس أثرها بشكل جزئي على نقطة التعادل الثالثة، بما يقارب عاما واحدا فقط.

وفي هذا السياق، من المهم التأكيد على أن الدراسات الاكتوارية تستند إلى منهجيات ومعايير علمية دقيقة، ولا تخضع لسلطة التدخل في مدخلاتها أو مخرجاتها، وأن أي تدخل يجب أن يظل ضمن إطار يحافظ على استقلالية هذه المعايير ونزاهتها. ويقتصر دور المؤسسة في هذا الجانب على تزويد الفريق الاكتواري بالبيانات اللازمة، من خلال دائرة الدراسات ومديرية الدراسات الاكتوارية، علماً بأن الكوادر التي قامت بتوفير البيانات في الدراسة العاشرة هي ذاتها التي اضطلعت بهذا الدور في الدراسة الحادية عشرة.

تاريخيا ولكافة الدراسات الاكتوارية، دور المؤسسة كان ينحصر في اعداد البيانات المطلوبة لاجراء التقييم الاكتواري، وأعتقد ان هذا صحي وضروري، لضمان الحيادية الكاملة وعدم التأثر بأي اعتبارات سياسية أو إدارية.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن عدد الحاصلين على شهادات اكتوارية متقدمة على مستوى العالم يقر بحوالي 80 ألف شخص، إلا أن نسبة محدودة جدا منهم تمتلك القدرة والخبرة لإعداد دراسات اكتوارية متكاملة لمنظومات وطنية للضمان الاجتماعي، الأمر الذي يفسر الاعتماد على خبرات دولية متخصصة، لما توفره من عمق معرفي وخبرة مقارنة في أنظمة مشابهة. والأهم من ذلك، أن اللجوء إلى خبراء دوليين مسألة مهمة لضمان الحياد، والحد من أي ضغوط أو اعتبارات غير فنية قد تؤثر على نتائج الدراسات.

وفي المحصلة، فإن الدراسات الاكتوارية تُعد أدوات استشرافية تستند إلى مجموعة واسعة من الفرضيات، وليست ثوابت محاسبية مؤكدة. فعندما أشارت الدراسة العاشرة إلى أن نقطة التعادل الثالثة ستكون في عام 2061، الا أن ذلك لم يثني المؤسسة آنذاك عن التحرك، بل كانت المؤسسة تدرك جيدا أهمية تعزيز استدامة النظام التأميني لفترة أطول. وقد انطلقت التعديلات المقترحة في عام 2022 من قناعة مفادها أن "المثالية الفنية لا تعني بالضرورة مثالية اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية"، وأن "الحل الأمثل يكمن في التوصل إلى حزمة تعديلات متوازنة تراعي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إلى جانب الاعتبارات الفنية".

وعليه، فإن تأجيل البت في تلك التعديلات يُعد خيارا موفقا، من شأنه إتاحة المجال للخروج بتصور أكثر توازنا وواقعية، يعزز العدالة والاستدامة، بعيدا عن النزعات الشعبوية أو المعالجات قصيرة الأجل أو الاندفاعية
"فليس كل ما يلمع ذهب، وليس كل مر به عيب".
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions