اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أ.د أمجد الفاهوم يكتب: "أبشر سيدنا"… حين يتكلم الوطن بلسان أهله

أ.د  أمجد الفاهوم يكتب: أبشر سيدنا… حين يتكلم الوطن بلسان أهله
نبأ الأردن -
ليست بعض الكلمات في حياة الأمم مجرد ألفاظ تُقال وتمضي، بل تتحول مع الزمن إلى مرآة تعكس وجدان الناس، وإلى معنى عميق يختصر حكاية شعب وطريقته في مواجهة الحياة. وفي كلمة جلالة الملك بمناسبة عيد الاستقلال الثمانين، لم تكن مفردة "أبشر" كلمة عابرة أو اختيارًا لغويًا عفويًا، بل بدت وكأنها مفتاح لفهم الأردن، ونافذة نقرأ منها العلاقة الفريدة بين الوطن وأهله، وبين القيادة والشعب، وبين الماضي الذي صنعنا والمستقبل الذي نطمح إليه.

حين قال جلالة الملك إن الأردن "يعتلي لسانه بأبشر، جوابًا سابقًا للطلب"، لم يكن يصف مجرد عادة اجتماعية أو كلمة دارجة يتداولها الناس، بل كان يضع تعريفًا عميقًا للشخصية الأردنية. فـ"أبشر" في معناها الأردني ليست كلمة مجاملة، ولا وعدًا مؤجلًا، بل موقفٌ من الحياة، وروح مبادرة، وشعور بالمسؤولية. إنها كلمة تحمل معنى الاستعداد للفعل، وتقول إن الصعاب مهما اشتدت لا تُواجه بالتراجع، بل بالإرادة والعمل.

ومن أجمل ما في الخطاب أنه لم يبدأ من الإنجازات ولا من لغة الأرقام، بل بدأ من الجذور. من أرض، كما وصفها الملك، "لم تخذل أهلها يومًا"، ومن استقلال لا نحتفل به بوصفه ذكرى عابرة، بل عهدًا ومسؤولية وميثاقًا يتجدد. وهنا تظهر الفكرة الأهم في الخطاب؛ فالاستقلال ليس حدثًا توقف عند عام 1946، بل حالة مستمرة تتجدد كل يوم في الأمن، والتعليم، والاقتصاد، والسيادة، والوعي، والانتماء.

وقد أعاد الخطاب ربط الحاضر بتاريخ عميق الجذور حين ذكّر بأن الأردن لم يكن يومًا "هامشًا في سرد البشرية"، بل موطنًا للأمم، وأرضًا مرّت عليها الرسالات والحضارات. على ضفافه تعمّد السيد المسيح، وفي ربوعه عاش الصحابة والتابعون. وهذه الإشارة لم تكن استدعاءً للماضي من باب الفخر وحده، بل رسالة تقول إن الأمم التي تعرف جذورها تبقى أكثر ثباتًا، وأن الأوطان التي تحمل ذاكرة حضارية قادرة على الوقوف بثقة أمام العواصف.

ولأن الخطابات الكبيرة لا تعيش في الماضي وحده، انتقل جلالة الملك إلى الحاضر بواقعية وصدق. لم يرسم صورة مثالية لوطن بلا تحديات، ولم يُخفِ حجم الصعوبات، بل أوضح أن الثقة بالنفس لا تعني إنكار التحديات، وإنما مواجهتها بعقل مفتوح وإرادة ثابتة. وهنا تكمن حكمة القيادة؛ فحب الوطن لا يعني التغاضي عن الصعوبات، بل مواجهتها بثقة، دون أن يتحول القلق إلى يأس، أو تتحول الأزمات إلى شعور بالعجز.

وفي هذا المعنى رسالة مهمة، خاصة للأجيال الشابة. فالثقة بالدولة لا تعني انتظار الحلول من الآخرين، بل الإيمان بأن بناء الوطن مسؤولية الجميع، وأن "أكتاف أبنائه العراض لا تصغر" كما قال الملك. إنها عبارة تبدو بسيطة، لكنها تحمل مشروعًا كاملًا يقوم على الإنسان الأردني باعتباره الثروة الحقيقية، وعلى التعليم والعمل والإبداع بوصفها أدوات بناء المستقبل.

ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة الخطاب على أنه دعوة للانتقال من مرحلة الصمود إلى مرحلة الإنجاز والتمكين. فثمانون عامًا من بناء الدولة وتعزيز الاستقرار وترسيخ الهوية الوطنية لا ينبغي أن يكون هدفها النجاة من الأزمات فقط، بل بناء مكانة أكثر حضورًا وتأثيرًا. وحين يقول جلالة الملك "نمضي أكثر إيمانًا بأنفسنا وأكثر قدرة على صناعة مستقبل يليق بالأردن وأبنائه"، فإنه يفتح الباب أمام مرحلة جديدة يصبح فيها معيار النجاح ليس البقاء وحده، بل القدرة على المنافسة والإبداع وصناعة الفرص.

وهنا يبرز سؤال المستقبل؛ كيف نصنع مستقبلًا يليق بالأردن؟ يكون ذلك حين تتحول الثقة إلى عمل، والانتماء إلى إنجاز، والتعليم إلى مهارة، والجامعة إلى مساحة للابتكار، والاقتصاد إلى بيئة تصنع الفرص بدل انتظارها. ويكون حين يصبح الشباب شركاء حقيقيين في التنمية، وحين تُبنى المؤسسات على الكفاءة، وتُدار الإمكانات بعقل الإنجاز وروح المسؤولية.

لقد أراد جلالة الملك في كلمته أن يذكّر الأردنيين بأن أعظم ما امتلكه هذا الوطن لم يكن وفرة الموارد ولا اتساع الجغرافيا، بل الإنسان الأردني؛ ذلك الإنسان الذي تعلّم أن يقول "أبشر"حتى في أصعب الظروف، وأن يرى في التحديات اختبارًا للصبر والثبات، لا إعلانًا للهزيمة.

وفي النهاية، تبدو عبارة "أبشر سيدنا" أكثر من مجرد رد أو تعبير عن الولاء. إنها روح وطن كاملة. روح تقول إن الأردني قد تضيق عليه الظروف، لكنه لا تضيق به الكرامة، وقد تثقل عليه الأيام، لكنه لا يسمح لها أن تكسر عزيمته أو تُصغّر قامته. إنها كلمة تختصر ثمانين عامًا من الإيمان بأن الوطن لا يُحمل على الأكتاف وحدها، بل يُحمل في القلب والضمير.

فالأوطان العظيمة لا تُقاس بعدد ما واجهته من أزمات، بل بقدرتها على النهوض، وبما يبقى في أهلها من يقين. والأردن، في عيد استقلاله الثمانين، يبدو وكأنه يهمس لنفسه وللعالم بثقة تشبه صلابة جباله وهدوء حكمته… أبشر، فما دام في الأرض أهلها، لا ينكسر الوطن.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions