عبدالله بني عيسى يكتب : تداول "الخرافات" وأوهام النصر السريع
نبأ الأردن -
في أعقاب غزو العراق للكويت 1990، وخلال حرب الخليج 1991، ومع إطلاق العراق نحو 39 صاروخ "سكود” باتجاه إسرائيل، انتشرت في الأردن روايات بين الناس أقرب إلى الخرافة منها إلى الواقع. روايات تعكس طبيعة الوهم الذي يتملك العقل غير العلمي، المؤمن بالمعجزات والقدرات الخارقة، الباحث عن خلاص سريع يعيد التوازن لعالم مختل ويُنصف المظلومين بضربة واحدة.
ففي جنوب الأردن عُثر على نعجة تصيح "صادم… صادم”، في إشارة إلى صدام حسين، الذي اقترب في تلك اللحظة من منزلة أسطورية في نظر كثيرين. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل كان الناس "يرونه” في القمر. في قريتنا، الجميع رأوه… إلا أنا. وكان التفسير بسيطًا: "نظرك ضعيف”! هكذا تُصنع الحقيقة حين يُغلق العقل أبوابه.
اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، يتكرر المشهد نفسه، لكن بأدوات أكثر حداثة. خلال الأيام الماضية، ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي برواية جديدة: "مقر خاتم الأنبياء” — وهو اسم تُصر بعض القنوات على استخدامه بدل تسميته الحقيقية كميليشيا، لإضفاء هالة دينية مقدسة — أعلن احتجاز طيار أمريكي ثانٍ، وعرض تسليمه مقابل الإفراج عن 10 آلاف أسير فلسطيني "مهددين بالإعدام” بعد "قانون بن غفير”.
تخيلوا حجم النشوة التي تولّدها رواية كاذبة كهذه… انتصار كامل، صفقة تاريخية، عدالة تتحقق بضربة واحدة. لكن، وكما في كل مرة، لم يحتج الأمر أكثر من ساعات حتى أعلنت الولايات المتحدة تنفيذ عملية معقدة وإنقاذ الطيار، ليتبخر كل شيء. لا أسرى، لا صفقة، ولا معجزة… مجرد وهم جديد انضم إلى أرشيف طويل من الأوهام، في لبنان وغزة واليمن وسوريا، وفي الصواريخ التي تخبئها إيران والتي ستقلب اسرائيل رأساً على عقب، وستأتي بالأمريكان إلى طهران يتوسلون قبول الاستسلام.
المشكلة ليست في القصة بحد ذاتها، بل في القابلية الجماعية لتصديقها. في هذا الاستعداد المزمن لتصديق أي رواية طالما أنها مُغلّفة بالبطولة أو "الثأر الكوني”. إنها حالة من إدمان الوهم، هروب نفسي من عجز حقيقي، ومحاولة تعويض عن واقع لا نملك أدوات تغييره.
أعترف.. كنت واحداً من أولئك الذين صدّقوا. صدّقت صدام حسين حين قال يومًا: "سنحرق نصف إسرائيل”. قبل أن أرى مشهد مجندة أمريكية على ظهر سفينة وهي تطلق صواريخ كروز نحو بغداد وهي بكامل استرخائها، في مشهد حضرت فيه التكنولوجيا وغابت عنه كل أغاني الحرب التي كانت تضج بها إذاعاتنا ونحلّق معها إلى اعلى مراتب الحماس واليقين بالنصر. وقبل أن يأتي يوم 13 كانون الأول/ديسمبر 2003، حين أُلقي القبض على صدام في حفرة تحت الأرض، بلحية أشعث وملامح رجل خارج من زمن بدائي. كانت صدمة شخصية، قاسية، أقسمت بعدها أن لا أنخدع مرة أخرى.
ما زلنا نعيد إنتاج المشهد نفسه، بالعقلية ذاتها، بالأدوات ذاتها، فقط مع اختلاف الأسماء. من "صدام في القمر” إلى "صفقة الطيار”، ومن الصواريخ الإيرانية الفتاكة إلى أعمدة الدخان فوق طهران، ومن جلسات السمر إلى خوارزميات السوشيال ميديا.
إنه نهج يعيد إنتاج الفشل بقرار. نهج يفضل الوهم على التفكير، والخرافة على التحليل، والشعور الزائف بالنصر على مواجهة الحقيقة.
نحن نخسر بإرادتنا، لأننا نعيش داخل قصة غير حقيقية، ونغضب ممن يوقظنا منها.


























