م.صلاح طه عبيدات يكتب : حين يصمت المدير… تتعثر المؤسسة

م.صلاح طه عبيدات يكتب : حين يصمت المدير… تتعثر المؤسسة
نبأ الأردن -
في المؤسسات التي تبدو من الخارج منضبطة ومتماسكة، قد تختبئ فجوة عميقة بين ما يُخطَّط له وما يتحقق فعليًا. ليست المشكلة دائمًا في نقص الموارد أو ضعف الكفاءات، بل في شيء أكثر خفاءً: غياب القدرة على رؤية الأفكار، ومن ثم تحويلها إلى قرارات. هنا يبدأ الخيط الذي يربط بين صمت المدير وتعثر المؤسسة، خاصة في بعض المؤسسات الحكومية التي تُسأل دائمًا: لماذا لا تحقق أهدافها بالكفاءة المطلوبة؟
الإجابة لا تقف عند حدود الإجراءات أو الأنظمة، بل تمتد إلى الثقافة الإدارية ذاتها. عندما يكون المدير أسيرًا لما يُعرف بـ التحيز التأكيدي، فإنه يميل إلى تكرار ما يعرفه، لا إلى اكتشاف ما لا يعرفه. في بيئة حكومية تتسم أحيانًا بالثبات والروتين، يتحول هذا التحيز إلى نمط مؤسسي، فتُعاد نفس الحلول، وتُنتج نفس النتائج، حتى وإن تغيرت التحديات.
ثم يأتي عامل الزمن، لا بوصفه موردًا، بل كضغط دائم. المدير الحكومي غالبًا محاصر بملفات عاجلة، تعليمات متتابعة، ومساءلات رسمية، تجعله يركّز على "سلامة الإجراء” أكثر من "جودة النتيجة”. وهنا يتحول إلى منفّذ حذر، لا قائد مبادر. ومع هذا النمط، تصبح الأفكار الجديدة عبئًا إضافيًا بدل أن تكون فرصة للتحسين.
غير أن السبب الأعمق يكمن في غياب الأمان النفسي داخل بيئة العمل. في مؤسسة يخشى فيها الموظف من الخطأ أو المساءلة، لا تُطرح الأفكار، بل تُكتم. وعندما يُعاقَب الخطأ أكثر مما يُكافَأ الاجتهاد، تتشكل ثقافة صامتة تفضّل الالتزام الحرفي على التفكير النقدي. النتيجة؟ موظفون ينفذون ما يُطلب منهم بدقة، لكنهم لا يضيفون شيئًا جديدًا.
المفارقة أن هذه المؤسسات قد تضع خططًا استراتيجية طموحة، وتعلن رؤى متقدمة، لكنها تفشل في تحقيقها لأنها لم تبنِ نظامًا يربط بين الفكر والتنفيذ. الاجتماعات تُدار بمنطق التقارير، لا بمنطق التساؤل، وقنوات اقتراح الأفكار إما معقدة أو شكلية، والتقدير يُمنح للالتزام لا للإبداع. وهكذا، تتحول الاستراتيجية إلى وثيقة، لا إلى ممارسة.
في المقابل، حين تتبنى المؤسسة—حتى الحكومية منها—نهجًا مختلفًا، تبدأ النتائج بالتغير. المدير الذي يخصص وقتًا للأفكار، ويشجع التجارب الصغيرة، ويكافئ المحاولة قبل النتيجة، لا يخلق بيئة مريحة فقط، بل بيئة منتجة. وعندما يُسمح للموظف أن يخطئ ويتعلم، يتحول من منفّذ إلى شريك في الإنجاز.
إن كفاءة المؤسسات لا تُقاس فقط بسرعة الإنجاز، بل بقدرتها على التعلم والتكيف. وهذه القدرة لا تنشأ من اللوائح، بل من الثقافة. من طريقة التفكير، ومن نوع الأسئلة التي تُطرح، ومن المساحة التي تُمنح للأفكار.
في نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا تفشل بعض المؤسسات الحكومية؟
بل: لماذا لا تسمع ما يكفي من الأصوات داخلها؟
حين يُفتح المجال لتلك الأصوات، لا تتحسن الكفاءة فقط… بل تتغير طبيعة المؤسسة نفسها.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions