د.حسن براري يكتب : من ينتصر؟
نبأ الأردن -
سؤال سطحي لا يلتقط جوهر ما يجري ويشغل بال فقط المشجعين لهذا الطرف أو ذاك.
فالانتصار في الحروب الحديثة يقاس بقدرة كل طرف على إعادة تشكيل سلوك العدو وفرض كلفة مستدامة عليه بدلاً من حجم الدمار الذي يسببه كل طرف للطرف الآخر.
لكن ما يغيب عن سيل التحليل السياسي والعسكري والفيسبوكي هذه الأيام هو العنصر حاسم في تحديد مسار الحرب برمتها، وهنا الحديث عن عدم تماثل عتبة الألم. إيران بحكم تجربتها التاريخية وبنية نظامها السياسي تمتلك قدرة أعلى على تحمّل الكلفة والاستنزاف، بينما تبقى عتبة الألم لدى خصومها (خصوصًا في المجتمعات الديمقراطية) منخفضة بشكل كبير حيث تتفاعل الأسواق سريعًا ويتصاعد الضغط الشعبي والإعلامي مع أي اضطراب.
كيف تفكر إيران؟
بعد الدخول في الأسبوع الخامس، يمكن الجزم بالطريقة التي تفكر بها إيران منذ البداية وحتى اليوم، وحتى بعد قطع رأس القيادة.
أولًا، إيران لا تحاول تحقيق انتصار عسكري لأنه فوق إمكاناتها، فإيران لا تخوض حربًا تقليدية لعدم تماثل القوة، لأن فائض القوة ليس في صالحها. لذلك تخوض حربًا يمكن تسميتها بحرب إدارة الكلفة من خلال التركيز على مجالات متعددة مثل الطاقة والملاحة والأسواق، فهي لا تبحث عن الحسم العسكري وتفكر فقط بجعل الاستمرار في الحرب أكثر كلفة على خصومها وعلى العالم، بمعنى عولمة الألم.
ثانيًا، ماذا يعني ذلك؟ ببساطة تحاول إيران التركيز على عدة مجالات بشكل متزامن مثل
- الطاقة = ناقلات ومنشآت
- البحر = ملاحة ومضيق هرمز
- الإعلام = دعاية وتأثير نفسي
هنا تحاول إيران رفع كلفة الحرب على خصومها وليس تدميرهم. فمثلًا يكفيها التلويح بإغراق ناقلة نفط واحدة حتى يضطرب سوق الطاقة في العالم.
ثالثًا، تنوّعت الاستراتيجية الإيرانية من خلال الضغط الأفقي (فهي لا تهاجم هدفًا واحدًا فقط وإنما تضغط على الخليج والأسواق والشحن والبنية التحتية) بهدف توسيع ساحة الحرب. (أود الاشارة هنا إلى العدد الأخير من مجلة الفورين افيرز التي تناولت هذا النقطة بالتفصيل لمن يريد الاستزاده).
رابعًا، اعتمدت إيران الحرب الهجينة. فهناك صواريخ ومسيرات وهجمات سيبرانية وإعلام من أجل التأثير النفسي للتأثير في الجهد العسكري.
تتوقع إيران أن تحقق:
- ارتفاع في أسعار الطاقة
- تصاعد الضغط الشعبي العالمي
- انقسام حلفاء أمريكا
- تراجع الإرادة السياسية في تل أبيب وواشنطن.
- كسر إرادة الخصم وليس هزيمته عسكريًا.
بالتأكيد لا تتوقع إيران أن تنجح استراتيجيتها عسكريًا لأن هذا ليس هدفًا إيرانيًا بالأساس. لكن يمكن أن تنجح سياسيًا، وبخاصة إذا تمكنت من كسر التحالفات ورفع الكلفة بسرعة والضغط على الأسواق وإرباكها بشكل متواصل.
بمعنى أن إيران اعتمدت منذ البداية استراتيجية ومنطق رفع الكلفة والضغط بدلًا من الحسم العسكري. في ليلة الأمس اختلف معي محلل من ايران على التلفزيون عندما أصر على قدرة ايران على اجبار خصومها الاستسلام عسكريا!!
لذلك فإن السؤال الحقيقي مرتبط بأي من الطرفين يمكن له إعادة تعريف معنى الانتصار نفسه. فألمانيا التي تم احتلالها عسكريًا في الحرب العالمية الثانية واستسلمت استسلامًا غير مشروط لقوات الحلفاء تعتبر نفسها اليوم أنها انتصرت على النازية وتحتفل بالتحرر من النازية!
وماذا عنا، متى ننتصر؟ بتقديري ننتصر عندما نتحرر من الفساد والاستبداد والتطرف وعندما نبني دولا ديمقراطية ومعارضات وطنية لا تقوم بأدوار وظيفية وعندما يصبح ولاء وانتماء المواطن لبلده فقط ولا يتم التلاعب به وبأولوياته الوطنية.


























