م.صلاح طه عبيدات يكتب: جلالة الملك عبدالله الثاني: دبلوماسية الجرأة في قلب العدم السياسي
نبأ الأردن -
عندما تتقن العواصم العربية فنّ الانكفاء، كأنها مدنٌ تخاف صدى أصواتها، يخرج الملك عبدالله الثاني بن الحسين من هندسة الصمت إلى مخاطرة المعنى. لا بوصفه فاعلًا سياسيًا فحسب، بل بوصفه سؤالًا متحركًا: ماذا لو كانت الدبلوماسية، في جوهرها، فعل اقتحام لا فعل انتظار؟
إن "منطقة العدم السياسي” ليست فراغًا كما يُتصوَّر، بل هي مساحة مشبعة بالخوف، متخمة بالاحتمالات المؤجلة، ومحمية بهواجس الأنظمة التي تفضّل السلامة على الفعل. هناك، حيث تتآكل اللغة الدبلوماسية إلى بياناتٍ باهتة، يصبح كل خروجٍ عن البروتوكول مغامرة وجودية، لا مجرد خطوة سياسية.
في الخليج، حيث تتقاطع الجغرافيا مع أعصاب العالم، لا يكون الحضور حدثًا عاديًا، بل إعادة تعريفٍ لمفهوم "الدور”. فالزيارة ليست انتقالًا بين مكانين، بل عبور بين حالتين: من السكون إلى الفعل، من الحذر إلى المبادرة، من الترقب إلى صناعة الاحتمال.
فالدبلوماسية هنا لا تُمارَس كفنٍّ للتوازن فقط، بل كفعلٍ لإعادة اختراع التوازن ذاته. إنها محاولة لإعادة ضخ الحياة في جسدٍ سياسي أنهكته الحسابات الباردة.
لكن الخطورة لا تكمن في التحرك ذاته، بل في كسر "وهم الأمان الجماعي”. فحين يجرؤ طرفٌ واحد على الخروج من سرب الصمت، فإنه يعرّي الآخرين، ويضعهم أمام سؤال أخلاقي قبل أن يكون سياسيًا: هل الحذر حكمة، أم أنه شكلٌ آخر من أشكال العجز المؤدب؟
في هذا السياق، تصبح الدبلوماسية نوعًا من الفلسفة التطبيقية، حيث تُختبر الأفكار في ميدان الواقع، لا في دفاتر المنظرين. وهنا يلتقي السياسي بالفعل، لا ليشرح العالم، بل ليعيد تشكيله.
إن اقتحام "العدم السياسي” هو، في جوهره، رفضٌ للقبول بحالة الانتظار كقدر. هو إعلان أن الفراغ ليس نهاية، بل بداية محتملة لمن يملك شجاعة ملئه. وفي عالمٍ عربيٍّ اعتاد أن يُدار بردود الأفعال، يصبح الفعل نفسه حدثًا استثنائيًا، وربما صادمًا.
وهكذا، لا تعود الدبلوماسية مجرد أدوات، بل تتحول إلى اختبارٍ للإرادة: من يجرؤ على التحرك حين يخاف الجميع؟ ومن يملك القدرة على رؤية ما وراء الخرائط الصماء؟
ربما لا تغيّر خطوة واحدة وجه التاريخ، لكنها تكفي لتذكيرنا بأن التاريخ، في نهاية المطاف، لا يُصنع في مناطق الراحة، بل في تلك المساحات الخطرة التي يختار القليلون فقط أن يعبروا إليها.

























