هاني فلاحات يكتب : قطاع السياحة في البترا التحدّي القادم والأخطر .. قراءة هادئة قبل الصدمة
نبأ الأردن -
تتهيأ البترا اليوم لمرحلة توسّع كبيرة في الطاقة الاستيعابية الفندقية، وقد تصل القدرة قريبًا إلى أكثر من 10 آلاف سرير، ظاهريًا، هذا مؤشر على النمو والثقة بالمستقبل، لكن اقتصاديًا، الصورة أكثر تعقيدًا.
أولًا: ما معنى أن كلفة التشغيل 60–80% من الإيراد؟
في المؤسسات الفندقية، معظم الدخل لا يتحول إلى أرباح، بل يذهب إلى:
• رواتب العاملين
• الكهرباء والمياه والطاقة
• الطعام والمشتريات
• الصيانة
• الضرائب والرسوم
• الإدارة والتسويق
عندما نقول إن كلفة التشغيل تقارب 70 % من الإيراد (كمعدل تقريبي)، فهذا يعني أن كل 100 دينار تدخل إلى الفندق، يذهب منها 70 ديناراً لتغطية المصاريف، ويبقى 30 ديناراً قبل احتساب القروض والاستهلاك والالتزامات المالية الأخرى، أي أن الفندق لا يحتاج إشغالاً لتحقيق الربح أولاً، بل يحتاج إشغالاً مرتفعاً فقط ليتجاوز نقطة التعادل .
ثانياً: "نحسبها حسبة فلاحين"، ولنضع الأرقام ببساطة:
• مليون زائر سنوياً للبترا (وهو رقم متفائل).
• إذا قسمنا مليون زائر على 365 يومًا: الناتج 2750 = زائر يومياً.
حتى لو افترضنا أن جميعهم سيبيتون في البترا (وهذا غير دقيق لأن نسبة كبيرة منهم زوار يوم واحد)، فإن متوسط الإشغال اليومي سيكون حوالي 2750 سريراً، لكن القدرة الاستيعابية المتوقعة هي 10,000 سرير، هذا يعني أن:
أكثر من 7,000 سرير يوميًا ستكون غير مشغولة.
ثالثًا: أين تكمن الخطورة؟ عندما تبقى الأسرة فارغة:
• الرواتب لا تتوقف
• الكهرباء لا تتوقف
• الصيانة لا تتوقف
• القروض لا تتوقف
الفندق يدفع سواء جاء السائح أم لم يأتِ، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية:
التوسّع في العرض (عدد الأسرة) لا يقابله نمو حقيقي موازٍ في الطلب (عدد المبيت).
رابعًا: المفارقة الاقتصادية
إذا كانت كلفة التشغيل تقارب 70% من الإيرادات، فهذا يعني أن المؤسسات تحتاج إشغالاً مرتفعًا جدًا حتى تحافظ على استقرارها المالي، لكن:
• حتى لو وصلنا إلى مليون زائر سنوياً.
• وحتى لو اعتبرناهم جميعًا مبيتاً (وهو افتراض غير واقعي).
• فإن متوسط الإشغال لن يتجاوز 27–30% تقريبًا من الطاقة الاستيعابية.
وهذه نسبة خطرة اقتصادياً على أي قطاع فندقي، النتيجة المتوقعة:
• منافسة سعرية حادة
• خفض أسعار بشكل مضر
• تراجع جودة الخدمة
• إنهاك مالي للمؤسسات
• ضغوط على العمالة
• احتمالية إغلاق منشآت
خامساً: هل الأزمة في عدد السياح أم في نمط السياحة؟ فالمشكلة ليست فقط في عدد الزوار، بل في: ارتفاع نسبة زوار اليوم الواحد، وقصر مدة الإقامة، وغياب تنويع المنتج السياحي، وضعف الإنفاق داخل المدينة، وموسمية الحركة السياحية، بمعنى آخر؛ نحن نزيد عدد الأسرة، لكن لا نزيد مدة الإقامة، وهنا يكمن التحدي الحقيقي.
سادسًا: لماذا قد تكون الأزمة القادمة أشد إيلامًا؟
لأنها لن تكون نتيجة حرب، أو جائحة، أو اضطراب سياسي، بل ستكون نتيجة خلل هيكلي داخلي في العلاقة بين العرض والطلب، أي أزمة داخلية أصعب من أزمة خارجية، لأنها تكشف سوء التخطيط وقِصَر الرؤية لا سوء الحظ.
سابعًا: ماذا يعني الاستعداد النفسي والإجرائي؟ الاستعداد النفسي يعني الاعتراف بوجود اختلال محتمل، والتوقف عن التفاؤل غير المحسوب، وقراءة الأرقام بواقعية.
أما الاستعداد الإجرائي فيعني؛ إعادة التفكير في التوسع غير المدروس، والتركيز على زيادة مدة الإقامة بدل زيادة عدد الأسرة، وتطوير منتج ليلي وثقافي يمدد إقامة السائح، وتنويع الأسواق السياحية، والتفكير في إدارة طاقة استيعابية ذكية بدل تضخم غير منضبط.
السؤال الجوهري: إلى أين نحن ذاهبون؟ إذا استمررنا في زيادة العرض دون معالجة بنية الطلب، فنحن نتجه إلى ضغط مالي طويل الأمد، واستنزاف القطاع بكل مقوماته، وتحوُّل الأزمة من موسمية إلى بنيوية، وهي الحالة الأسوأ التي لن يتعاطف معنا أحد إن عاندتنا الظروف كما أراها.
أما إذا تعاملنا مع المسألة الآن، قبل أن "تقع الفأس في الرأس"، فربما نستطيع تحويل التحدي إلى فرصة لإعادة هيكلة القطاع بشكل أكثر توازناً واستدامة.
وهذا يتطلب من كل المعنيين اقتراحات لإنقاذ أنفسنا وبلدتنا التي لا أدري الى اين هي ذاهبة مع هذه اللعنات المتتالية.

























